نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٤ - الدليل الثامن ـ حضور الذات لدى الذات
ولا يضرّ كونُ هذا الثبات والاستقرار خيالياً، لما تقدم مراراً من أنّ الخيال إنّما هو خيال بالنسبة إلى الخارج، وأمّا بالنسبة إلى الوجود بما هو هو، فهو من مراتب الواقع والحقيقة.
الدليل الثامن ـ حضور الذات لدى الذات
قد عرفت فيما مضى انقسام العلم إلى حصولي وحضوري، وأكثر [١] ما مرّ من البراهين أثبت تجرّد العلوم الحصولية الّتي عبّرنا عنها بالصور العلمية اوالمفاهيم الذهنية.
وهناك دليل على تجرّد العلوم الحضورية أيضاً، وهو علم ذاتنا بذاتنا. فقد دلّت التجارب على وجود هذا الإدراك في عامة المخلوقات الحيّة، وفي طليعتها الإنسان.
وهذه الحالة العلمية، أعني حضور ذواتنا لدى أنفسنا، لا تختص بعضو معين أو جانب خاص، بل تعمّ الإنسان كلّه، لأنّ أحدنا ربما يغفل عن جميع أعضائه، ومع ذلك يجد ذاته حاضرة لدى ذاته لا تغيب عنه أبداً.
واذارجع الإنسان إلى ما مضى من أيام حياته، يجد أنّ ها هنا ذاتاً ثابتة، لم يغيّرها مرور السنين وتطاول الأعوام، وتبدّل الظروف والأحوال.
فإذن، نحن ندرك ونعلم علماً حضورياً بأمر واحد بسيط لا يقبل انقساماً ولا كثرة، ثابت مستقر لا يطرأ عليه تبدّل ولا تغيّر، حاضِر أبداً لا يغيب، حضوراً بوجوده الخارجي عند المدرك من دون انتزاع صورة علمية منه. وهذه الأُمور جميعها آية كون المعلوم هذا مجرّداً بريئاً عن المادة وآثارها .[٢]
[١] إشارة إلى البرهان الرابع، فإنّه ـ كهذا البرهان ـ ناظر إلى تجرّد العلوم الحضورية، فإنّ الوجدانيات كالحب والبغض معلومات للإنسان بالعلم الحضوري.
[٢] إنّ هذه البراهين الّتي أقمناها على تجرّد الإدراك مستفادة من دراسات الفيلسوف الأكبر الأُستاذ العلاّمة السيد محمد حسين الطباطبائي، ذكرها في «أُصول الفلسفة» المترجم إلى العربية بقلم الشيخ الأُستاذ ـ دام ظله ـ فلاحظ: ١٣٧ ـ ١٧٢ .