نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٧ - الدافع الثاني ـ تأثير الفلسفة الوضعية
ولكن لسائل أن يسأل: من أين وقف هؤلاء الأقطاب على أنّ الطبيعة متحدة الحقيقة والوظيفة. فالمعدن الخاص إذا انبسط في ظروف خاصة، وجب أن نحكم على جميع أفراد نوعه الأُخرى بالإنبساط في مثل تلك الظروف ؟
وقد سبق أنْ ذكرنا أنّ هذا حكم عقلي اعتمد عليه هؤلاء، وهو أنّ المتماثلين يمتنع أن يختلفا حكماً، وبعبارة أُخرى: حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.
كما ذكرنا أنّ كثيراً من المعارف الحسيّة ممتزجة بمعرفة عقلية، غير أنّ الإنسان المتسامح يتوجه إلى الجوانب الحسيّة ويغفل عن الجانب العقلي، فلاحظ.
الدافع الثاني ـ تأثير الفلسفة الوضعية
لقد كان للفلسفة الوضعية، الّتي أَسّسها أُوغست كانت [١] (١٧٩٨ ـ ١٨٥٧ م)، تأثير كبير في إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة، فإنّها تتبنى أصلاً خاصاً لا يضفي الواقعية إلاّ على ما له صورة ومعطيات حسيّة في الخارج، وإليك فيما يلي تقريره.
إنّ الفلسفة الوضعية ترفض النظر في أصل الأشياء بحجة أنّ هذا الأمر يتجاوز نطاق المشاهدة والتجربة، ولأجل ذلك أُتهمت بالإلحاد والمادية .
إنّ الخاصية الأساسية للفلسفة الوضعية هي النظر إلى كل الظواهر على أنّها خاضعة لقوانين طبيعية ثابتة، في الوقت الّذي تعتبر البحث عمّا يسمى بالعلل [٢]
[١] Auguste Conte . مؤسس الفلسفة الوضعية، والمؤسس الحديث لعلم الإجتماع. ولد عام ١٧٩٨ في مونبيليه (جنوب فرنسا)، تخصص في الهندسة. وفي سنة ١٨٢٦ بدأ بإلقاء محاضرات في كلية الهندسة، عرض فيها مذهبه الوضعي، كان يحضرها عدد كبير من رجال العلم. وفي أثنائها كان يطبع ما يفرغ من تأليفه منها، فظهرت في المدة من سنة ١٨٣٠ إلى ١٨٤٢ تحت عنوان «محاضرات في الفلسفة الوضعية»، وهي أعظم أعماله العلمية. عشق إمرأة متزوجة وهام فيها هياماً بالغاً. أثر على نفسياته وآرائه الفلسفية والاجتماعية!! (وهكذا شأن كثير من الفلاسفة الغربيين، كما يقف عليه المتتبع لسيرهم) وأحدثت فيه لوناً من الإختلال النفسي. توفي في ٥ أيلول سنة ١٨٥٧ ودفن في باريس.
[٢] Causes.