نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٧٢ - الشبهة الخامسة البرهنة على إثبات شيء محال
أريد معرفة الوضع السائد عليه، فليس ذلك رهن التعرف على أُمور غير متناهية.
ولترى صدق ذلك، أُفرض أنّك أمام منضدتك، وفوقها كتبك وأدوات التحرير، وتريد أن تتعرف على المنضدة هل هي من الخشب أو الحديد، هل هي مستطيلة أو مربعة، ونحو ذلك. فهل ترى أنّ هذه المعرفة رهن التعرف على ما سبق عليها من الأحوال؟ كلا، ولا.
وثالثاً: لو صحّ ما ذكره، فإنّما يصحّ في معرفة الموجودات الجزئية، وأمّا المفاهيم الكليّة والقوانين العامة السائدة في الطبيعة، فليست معرفتها كما ذكر.
مثلاً: معرفتنا بأنّ الإنسان حيوان ناطق، معرفة كليّة لا تتوقف على شيء. وهكذا في القوانين الرياضية والطبيعية، فإنّ معرفتنا بأنّ مجموع زوايا المثلث يساوي زاويتين قائمتين، وأنّ مربع الثلاثة تسعة، وجذر التسعة ثلاثة، وأنّ السرعة كلما ازدادت حول المركز ازداد الطَّرد عنه، وكلّما خفَّت قَلّ الطّرد، إلى غير ذلك من القوانين السائدة، إنّ معرفتها لا تتوقف على ما لا نهاية له، بل لها مقدمات خاصة معينة لا أكثر .
الشبهة الخامسة: البرهنة على إثبات شيء محال
ما ذكر من الشبهات السابقة كان متوجهاً إلى إثبات الخطأ في الإدراكات التصورية، والشكّاك يريد في هذه الشبهة الرابعة التشكيك في الإدراكات التصورية. يقول :
إنّ الإدراكات الإنسانية تنقسم إلى تصورية وتصديقية، فإنّ الإدراك إن كان مجرداً عن الحكم والقضاء كتصور الكتاب وحده، فهو إدراك تصوّري. وإن كان مقروناً بالقضاء والحكم، فهو إدراك تصديقي، كما إذا حكمنا على الكتاب بأنّه كتاب نفيس ومفيد.
وعلى ضوء ذلك فالشكاك يقول: إنّ القضايا المقبولة عبارة عن القضايا الّتي تَثْبُتُ صحتُها بالبرهان، غير أنّ إثبات قضية بالبرهان، أمرٌ ممتنع. وما يُتراءى من إقامة البراهين على القضايا لا يخرج عن إطار المغالطة، وذلك لأنّ مقدمات البرهان