نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٣ - مشكلة الدور وحلُّها
العقل، وكانت متضمنة للدور، يحكم العقل بأنّها محال، من غير فرق بين أن تكون في باب الطبيعيات أو الرياضيات أو الإلهيات.
وفيما ذكرناه من الأمثلة كفاية في تبيين هذا النوع من عمليات العقل. نعم، ها هنا إشكال باسم مشكلة الدور في طريق الاستنتاج، نتعرض لها.
مشكلة الدور وحلُّها
ذكروا مشكلة في طريق استنتاج حكم موضوع من حكم كلِّي، وهي:
إنّ استكشاف حكم الموضوع المفروض، يتوقف على الحكم الكلي الحاصل لدى العقل، مع أنّ كليّة هذا الحكم وصدقه على وجه العموم، يتوقف على إحراز وضع هذا الموضوع المطروح، ولولا تبيين حاله، لماكان للعقل الحكم بالكليّة، فالمعرفة العقلية عن هذا الطريق تستلزم الدور.
مثلاً: إذا أردنا أن نعرف حال الماء الماثل بين أيدينا، وأنّه على أيِّ درجة من الحرارة يغلي، نستكشف حاله من الحكم الكلّي القائل بأنّ كلَّ ماء يغلي على درجة (١٠٠). مع أنّ العلم بهذا الحكم، بوصف الكليّة، يتوقف على العلم بأنّ كلّ فرد من أفراد المياه، حتّى هذا الفرد الماثل بين أيدينا، يغلي عند هذه الدرجة. فلزم توقف التعرف على حكم الجزئي، على العلم بهذا الحكم الكلّي، مع أنّ العلم بكليته وعمومه وشموله، يتوقف على التعرف على حكم هذا الماء الماثل بين أيدينا، الّذي نريد أن نتعرف عليه. وهذا ما يقال من أنّ الاستدلال بالعقل عن طريق الشكل الأول يستلزم الدور.
ففي المثال المتقدم، يقال:
ـ هذا، ماءٌ يغلي.
ـ وكل ماء يغلي، درجة حرارته (١٠٠).
فهذا، درجة حرارته (١٠٠).
فالعلم بالنتيجة موقوف على العلم بكليّة الكبرى، كما أنّ العلم بها موقوف على العلم بالنتيجة.