نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٣ - ١ الموانع الخارجية للمعرفة
أبعد الحدود، يستحيل عليه أن يبقى محافظاً على أفكاره واعتقاداته الدينية وقيمه الروحية.
إنّه كلّما ازداد توغلاً في المفاسد، إزداد بعداً عن الإعتقاد بالعوالم الغيبية، لأنّ ذلك الإعتقاد يمنعه عمّا يطلبه من الفساد والتمادي في العصيان [١]، وهكذا يتحرّر عن تلك المعتقدات شيئاً فشيئاً، حتّى يَنسَلِخَ منها، وينبذها وراءه ظِهْريّاً.
وإلى هذه الظاهرة تشير الآية الكريمة بقولها: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوآى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَ كَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)[٢]، فجرّهم اقتراف المساوئ، وركوب المفاسد، إلى تكذيب آيات الله وشرائعه وأنبيائه.
وكما تؤثّر المادية الأخلاقية في ذوبان عقيدة المرء شيئاً فشيئاً، وانحلاله من الإعتقاد بالرسالات السماوية، ليصبح في المآل مادياً في تفكيره، كذلك تكون صادّة عن حصول الإعتقاد من بَدْء الأمر، وتكون مانعة عن نفوذ نور البرهان والدليل إلى القلب، لما يدركه ذاك الإنسان ـ في صميم ذاته ـ من أنّ الخضوع لمفاهيم البراهين والأدلة، لا ينسجم مع ما يطلبه من الإنغماس في الشهوات، وما هو واقع فيه من الفساد والإنحراف. ولعلّه إلى هذا يشير قوله سبحانه: (بَلْ يُرِيدُ الإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) [٣].
وبذلك تصبح المادية الأخلاقية رافعة للعقيدة تارة، وصادّة عنها أُخرى، فالأول في المعتنقين للأُصول الغيبية إذا جنحوا إلى المعاصي، والثاني في الناشئين في أحضان المجتمعات الغارقة في الفساد إذا فوجئوا بمعلّم مُصلح يريد أن يهديهم ويقنعهم، بالبرهان والدليل، فيرفضون البراهين ومنطق العقل، ويُوصدون بذلك باب المعرفة أمامهم.
***
[١] وتلقي المعاصي حُجُباً على قلوبهم تعميها عن معرفة الحق، يقول تعالى: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) المطففين: ١٤ .
[٢] الروم: ١٠ .
[٣] القيامة: ٤ و ٥. والمراد من فجوره أمامَه، فجوره فيما يستقبل من أيام عمره .