نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٠٠ - ٦ الفكر المطلق لا يدل على مفكر خاص
وهنا نأخذ عليه بالنقد بأنّه كان يعتقد بمعرفة يقينية أخرى قبل إذعانه بوجود الإله، وهي أنّ كل ظاهرة تحتاج إلى علّة، وأنّ كل معلول في الخارج أو الذهن لا ينفك عن شيء يوجده، لاستحالة خروج الشيء إلى عالم الوجود من لا شيء. ولولا إذعانه بهذه القضية، لما حاول التعرّف على علّة وجود تلك الفكرة في ذهنه .
٥. المعلول لا يكون أكمل من علّته، معرفة سابقة
قال ديكارت في مقام البرهنة على «وجود الله»: «لا يمكن أن أكون أنا مصدر هذه الفكرة، لأنّ حقيقة هذا الجوهر تتجاوز ماهيتي وحقيقتي». وهذا الاستدلال يدلّ على أنّه كان ذا معرفة فطرية أُخرى، وهي أنّ الشيء لا يمكن أن يكون أكمل من سببه، وإلاّ لكانت الزيادة في المسبَّب ناشئة من لا شيء.
كل ما ذكرناه يعرب عن أنّ ما توهمه «ديكارت»، أُسس المعرفة اليقينية، ليست كذلك، بل تسبقها أُسس ومنطلقات أُخرى يبتني عليها التفكير الإنساني، كان ديكارت معترفاً بها في صميم ذاته.
٦. الفكر المطلق لا يدل على مفكر خاص
استدلّ ديكارت على وجود المفكر بوجود التفكير، وهذا صحيح على وجه وخاطئ على آخر. فلو كان مراده الاستدلال على أنّ الفكر المطلق دليل على وجود المفكّر، فهو صحيح لا غبار عليه ولكنه لا يثبت وجوده الخاص. وأمّا لو كان مراده هو الاستدلال بوجود الفكر المطلق على مفكّر خاص، وهو وجوده، فهو غير صحيح، إذ لا ملازمة بين وجود الفكر المطلق ووجود مفكر خاص هو نفس ديكارت وذاته وذهنه.
ولو أراد الاستدلال بوجود الفكر الخاص، أي فكر نفسه وشخصه وذاته، فعندئذ يكون قد أقرّ بوجوده واعترف به، وذلك لأنّ الفكر المطلق لا ينقلب إلى الفكر الخاص إلاّ إذا أُضيف إلى شخص ومُفكّر وذهن يقوم به الفكر، وعندما يلاحظ الفكر الخاص، فإنّه يلاحظ في ضمنه وجوده وشخصه. فكيف يريد الاستدلال على ما يذعن به قبل الإستدلال؟