نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٤ - مراحل المعرفة
الفرد الشخصي بصورة الفرد المبهم، ويطلق عليه الإنسان الكلي. فليس الإنسان الكلي إلاّ الفرد المبهم الّذي حذفت أو نسيت مشخصاته ومميّزاته. فما أشبه هذا الفرد بالعملة المعدنية الرائجة إذا طُمست نقوشها من كثرة التداول، فلم يبق منها إلاّ جسم العملة دون مشخصاتها.
وأنت ترى كيف يتحمل هذا القائل بوحدة الأداة، المشاقّ في تحليل المفاهيم العقلية. وما هذا إلاّ لأنّه لم يعتقد إلاّ بأداة واحدة، ولو كان مؤمناً بأداتين لصدّق بالمفاهيم الكلية العقلية الّتي هي بمنأى عن الفرد الّذي نسيت مشخِّصاته.
وهكذا القائل بانحصار الأداة بالعقل كـ «ديكارت»، فإنّه لا يقيم للحسّ وزناً. فهذا إذا واجه المحسوسات ـ الّتي يدركها الإنسان بحواسه ـ يضيق عليه الخناق، ويقول إنّ الحسّ لا يوصلنا إلى حقيقة الأشياء وإنّما هو لينتفع به الإنسان في حياته لا أكثر، كما تقدم.
ونظير ذينك المنهجين، منهج القائلين بانحصار معرفة الحقائق بالإلهام والإشراق، المنقول عن الفيلسوف الغربي «بِرْگُسن»[١].
وعلى ذلك، فنحن نضرب الصفح دون البحث حول هذه المناهج النابعة عن القول بوحدة الأداة، لأنّ إنكار تعددها وكثرتها، أشبه بإنكار الضروريات كما عرفت. ونعطف عنان البحث إلى المراحل المتعددة للمعرفة، فنقول:
إنّ القائلين بتعدد المراحل هم أيضاً على طوائف نعبر عنهم بالعناوين التالية:
أ ـ أصحاب الفلسفة العلمية .
ب ـ أصحاب الفلسفة الماديّة الديالكتيكيّة.
ج ـ الفلاسفة الإسلاميّون .
***
[١] Henri Bergson(١٨٥٩ ـ ١٩٤١ م).