نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٠ - الفلسفة الإسلامية والواقعية الموضوعية
ولنحلل المثال الأول، أعني قولنا: المادة حادثة. إنّها قضية يقينية للإسلاميين، يقضون بها عن طريق الحسّ والعقل معاً بقوله:
ـ المادة متغيّرة.
ـ وكل متغيّر حادث .
إذن فالمادة حادثة.
أمّا الحسّ، فهو يستخدم في غالب القضايا لنيل مفرداتها، سواء أكانت ممّا يناله الحسّ بلا واسطة، أم مما يناله بعد تعمّل. وفي هذه القضية، إن كون المادة موجودة في الخارج، أمر ملموس للحسّ[١]، حتى التغيّر والتبدل ـ إن أُريد منهما ما يدركه عامة الناس ـ يؤخذان من الخارج.
نعم، ما يدّعيه أصحاب القول بالحركة الجوهرية للعالم ـ جواهره وأعراضه ـ ممّا يدعمه البرهان وتثبته الأدلّة الفلسفية [٢]، لا الحسّ.
وبعبارة أُخرى: إنّ للحركة والتبدل مرتبتين، مرتبة يدركها الحسّ ويقف عليها عامة الناس، وهي التغير الملحوظ ليلاً ونهاراً في الأرض وما عليها والسماء وما فيها. ومرتبة يدركها العقل بالبرهان الفلسفي، وهو أن العالم بجوهره وحقيقته، في تغيّر ذاتي، وسيلان واقعي، كالنبع المتدفق من مكان ليصبّ في مكان آخر. فالصغرى على المرتبة الأولى حسيّة، وعلى الثانية عقلية مبرهنة.
وأمّا العقل، فيستخدم في القضاء بالكبرى، ببيان أنّ التغيّر عبارة عن الوجود بعد العدم، الحصول بعدما لم يكن، وهذا هو نفس الحدوث وعينه، فيكون ـ إذن ـ كل متغيّر حادث .
ثم يقوم العقل بعملية أُخرى وهي استنتاج حكم الأصغر (المادة) من الحكم على الأكبر، لأنّ الأصغر من مصاديق الأكبر، فلو كان الأكبر محكوماً بحكم عام، فهو يشمل كل فرد من مصاديقه، فالمادة من مصاديق المتغير، فهي أيضاً حادثة.
[١] ولو عن طريق إحساس عوارضها، من اللون والريح والطعم والملمس... بناءً على ما هو الحق من أنّ الحس لا ينال الجوهر (المادة) مباشرة، وإنّما ينالها بواسطة إحساس عوارضها.
[٢] وسيوافيك ذلك في الفصل الرابع عند البحث عن أداة العقل من أدوات المعرفة.