نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٣ - إجابة الماديين عن الاستدلال
الثالث بالوحدة بينهما، يكون الموضوع قد تبدل إلى شيء آخر، بل المحمول ـ كذلك ـ تبدل إلى أمر آخر، فكيف يمكن حصول التصديق أعني الحكم بأنّ هذا ذاك؟
وعلى القول بأنّ للصور العلمية: مفرداتها ومركباتها، وجودات مجردة، نزيهة عن المادة وعوارضها، فإذا تصور الموضوع، يبقى على ما تصور إلى أن يحمل عليه المحمول، ويحكم بالهوهوية والاتّحاد.
ولْيُعْلَم أنّ ما ذكرناه هنا يغاير ما ذكرناه في الدليل الثالث، فإنّ ما ذكرناه سابقاً مبني على أنّ التصديق عار عن الآثار الماديّة ـ وهو عدم قابليته للانقسام ـ والدليل الحاضر قائم على أساس أنّ مادية الإدراك، تَجُرّ الماديَّ ـ لا محالة ـ إلى القول بامتناع تحقق التصديق. فالدليلان متغايران جوهراً.
إجابة الماديين عن الاستدلال
إنّ للماديين حول هذا البرهان تكلّف وتجشم، لا بأس بالإشارة إليه. وهو أنّ القوى المدرِكة، والصور العلمية، بما أنّها أُمور مادية، تتحول وتتبدّل آناً بعد آن. وعلى ذلك فالموضوع المتصور أولاً، وإن كان غير باق بعينه عند حمل المحمول عليه، إلاّ أنّه تبدّل إلى موضوع مماثل يتخيّل الإنسان أنّه نفس الأوّل، فيحمل المحمول على المُتَبَدَّل إليه لا المتبَدِّل.
يلاحظ عليه :
إنا ذكرنا سابقاً أنا نرجع إلى قولهم هذا: إن الإنسان يتخيّل الموضوع باقياً لا متبدلاً إلى موضوع مماثل، فعندئذ يحمل الموضوع عليه، فنقول: إنّهم يدّعون إذن أنّ الإنسان يتخيّل المتحرك (الموضوع) ثابتاً، وهذا لا يجتمع مع ماديّة الإدراك، لأنّ الصورة العلمية ـ على ما يقولون ـ ثابتة وقارّة في ظرف الإدراك. فهل لها وجود مستقل عن الدماغ المادي؟، فهذا هو المطلوب، ومعناه أن للعلم فرداً مجرّداً عن المادة. أم أنّها مادية كما يزعمون، لكنه مناقض لمبادئ المادية القائلة بشمول الحركة والتبدل لعامة الماديات.