نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٨ - ٢ واجب الوجود
في دائرة العلم الحضوري، كعلمنا بذواتنا، فإنّ الحاضر لدينا هو وجود ذاتنا، وإن كان محدوداً بحدود، ومقيّداً بقيود، إلاّ أنّ وجود النفس، بما هو وجود، حاضر لديها، لا حضوراً بالصورة والترسيم، بل حضوراً بالعينية والحقيقة.
نعم، لا يصحّ لنا أن نتخذ ذلك ذريعة لتصحيح علم الإنسان الحضوري بجميع مراتب الوجود، واجبه وممكنه، لأنّ علمه الحضوري مقصور على علمه بذاته أو بالصور القائمة بها. وأمّا العوالم الخارجة عنها، فليست هي عين ذات الإنسان ولا فعلاً قائماً بذهنه.
٢. واجب الوجود
الموجود إمّا واجب لذاته وإمّا ممكن لذاته. فما وجب لذاته، لا يمكن معرفة كنهه، لإنّ واجب الوجود، على خلاف الممكنات، وجود بحت، ليس له ماهية وحدود[١] حتّى يتعلق التعرف به .
ولأجل ذلك، ينسلك واجب الوجود في عدم التعرف على كنهه، في عداد حقيقة الوجود بعامة مراتبه، غير أنّ حقيقة الوجود في غير الواجب محدودة بالماهية، ومقترنة بها، فيمكن التعرف عليها، وأمّا في الواجب فهي وجود صرف، فهو فوق أفق المعرفة.
ولكن هذا لا يعني أنّه لا يمكن التعرف على الواجب بوجه آخر يناسب مقدرة الإنسان، وهو التعرف عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، والحكم عليه بضرورة الوجود والتحقق، وأنّه مبدأ الأشياء، إلى غير ذلك ممّا يمكن أن يتخذه الإنسان وسيلة للتعرف على تلك الذات، فيقول: الله موجود، وهو واجب الوجود، عالم، قادر، حي، مريد، حكيم، ليس بجسم، ولا عرض، ولا متحيز، وهو الخالق ليس له شريك في خلقه، والمدبر ليس له شريك في تدبيره، إلى غير ذلك من الصفات الجمالية والجلالية.
[١] ستوافيك أدلته في الإلهيات في بحث التوحيد الذاتي من مباحث الصفات السلبية.