نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٦ - سؤال وإجابة
الجواب
الجواب عن السؤال المذكور بوجهين: إجمالي وتفصيلي.
أمّا الإجمالي فهو أنّ الترتب في هذه الآيات، وإن كان أمراً لايمكن إنكاره، ولكن ليس معناه أنّ المعرفة النظرية ـ بمفردها ـ علّة لما رتّب عليها من الفرائض والأحكام، بل الأمر في هذه الآيات على وجه آخر، وهو وجود معرفة عملية كلية ـ إمّا واضحة بالذات أو منتهية إليه ـ دخيلة في هذا الإستنتاج، لكنها لم تُذكر، لأنّها مفهومة من سياق الآيات. ومَنْ تدبّر الذكر الحكيم، يجده كثيراً ما يتّكل على فهم الإنسان الفطري، لإدراك المراد، من دون حاجة إلى ذكره، ويكتفي بالإتيان بما هو لازم في مقام المخاطبة، أخذاً بمجامع البلاغة.
وعلى ذلك، فليس ما تذكره الآيات من معارف نظرية، مبدأً مستقلاً لتلك الفرائض العملية، وإن كان له أيضاً دورٌ، كدورِ كلِّ صغرىً في الإستنتاج، بل التأثير إنّما هو بضميمة كبرىً عقلية عملية مقدَّرة، كما ذكرنا.
وأمّا التفصيلي:
ففي الآيتين الأُولى والثانية اللتين أُستُدِلَ فيهما بسجود الموجودات وتسليمها أمام الله سبحانه على وجوب أن يكون الإنسان مثلها، قياسٌ واضح معلوم عند التخاطب، وهو أنّ خضوع الموجودات وتسليمها لله سبحانه ناشيء من أنّه سبحانه مَبْدَأُ الوجود ومفيض النعم، وأنّ كلَّ شيء فقيرٌ إليه تعالى. وواجبُ كلِّ ممكن فقير بالذات، الخضوعُ لموجده ومفيض نعمه، وليس الإنسان مستثنىً من هذه القاعدة، فيجب عليه السجود كسجودها، والتسليم كتسليمها.
فالقضية النظرية الّتي تعطيها هاتين الآيتين، هي نتيجة قياس كالتالي:
ـ السموات ومن فيها، فقير إلى الله تعالى .
ـ وكلُّ فقير إلى الله تعالى، ساجد وخاضع له .
فالسموات ومن فيها، ساجد وخاضع لله تعالى.
ومن هذا القياس الّذي لفتتنا إليه تلك القضية النظرية ننتقل إلى قياس آخر