نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٠٢ - الأمر الثالث المقولات هي الأجناس العليا للموجودات
والموضوعية في «المعرفة» قائمة على أساس أنّ الصور الذهنية لا تختلف عن الموجودات الخارجية في الماهية، وإنّما تختلف في الوجود فحسب. فالذاتي ـ يعني الماهية ـ محفوظ في كلتا النشأتين، وإلى هذا يشير الحكماء بقولهم: «الذاتيات محفوظة في جميع أنحاء الوجود».
وعلى هذا الأساس، فإذاتعلق العلم بمقولة من المقولات الّتي تقدّم بيانها، لابدّ أن تكون تلك المقولة الخارجية محفوظة بعين حقيقتها في الذهن. فإذا رأينا شكلاً هندسياً مثلثاً ـ والمثلث من مقولة الكم ـ تكون صورته الذهنية ـ بحكم الضابطة المتقدمة ـ من مقولة الكم أيضاً، وإلاّ لما كانت الذاتيات محفوظة فيه ولما كان العلم حاكياً عن الواقع وكاشفاً له. فالمثلث، بكلا وجودَيْه الخارجي والذهني، من مقولة الكم وقس عليه غيره من أفراد سائر المقولات.
الأمر الثالث: المقولات هي الأجناس العليا للموجودات
ذهب الفلاسفة إلى أنّ المقولات العشر، هي المقولات العليا، وليس فوقها مقولات وإن كان تحتها أنواع أو أجناس متوسطة. فالجوهر جنسٌ عال ليس فوقه جنس وإن كان تحته أجناس متوسطة [١]. والكيف جنسٌ عال ليس فوقه جنس، وإن كان تحته أجناس متوسطة[٢].
وهذه الأجناس العليا، متباينة بالذات، ليس بينها جهة جامعة ذاتية. نعم، الأعراض التسعة وإن كانت داخلة تحت عنوان «العَرَض»، لكن العَرَضية ليست عنواناً ذاتياً لها، بل هي مفهوم انتزاعي ينتزع من مقام وجودها، فإنّ الأعراض التسعة ـ نسبية كانت أو غيرها[٣] ـ لمّا كانت عارضة في مقام الوجود على موضوعاتها، يطلق عليها عنوان العَرَض، ولأجل ذلك لم يكن «العَرَض» جنساً عالياً، بل الأجناس العالية هي ما وقع تحت عنوان «العَرَض».
[١] هي: العقل، والنفس، والصورة، والهيولي، والجسم المركب منهما.
[٢] تقدمت أقسام الكيف في الأمر الأول .
[٣] الأعراض غير النسبية هي الكم والكيف. وما سواهما ـ أعني السبعة الباقية ـ أعراض نسبية.