نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٩ - منهج الإنكار
مناهج تقييم المعرفة
١
منهج الإنكار[١]
إنّ تاريخ الفلسفة اليونانية يحكي عن ظهور جماعة في القرن الخامس قبل الميلاد، يدّعون أنّهم من أهل الفضل والعلم، كانوا ينكرون المحسوسات والبديهيات، ويَعُدّون صحيفة الوجود خيالاً في خيال، ولا يعترفون بشيء من الواقعيات، وغاية ما كانوا يعترفون به بعد البحث والجدال، هو وجودهم وذهنهم وذهنياتهم. وهؤلاء عُرفوا في تاريخ الفلسفة بالسوفسطائيين[٢].
وممّا ينقضي منه العجب، أنّ الجدل ربما كان يجرهم إلى إنكار وجود أنفسهم أيضاً، ومع ذلك كله كانوا يعيشون كسائر الناس الذين لا يشكون في الحقائق، بلا اختلاف بينهم في المعيشة والسلوك. فلم يُشاهد من المنكرين، الضحكُ في مقام البكاء، ولا النوم عند الجوع، ولاالسكوت في موضع التكلم. وذلك يعرب عن أنّهم كانوا يتفوهون بما ليس في قلوبهم، ويقولون بما يضاد ما توحيه إليهم فطرتهم، وهو أنّه لا يسدّ جوع الإنسان خيال الأكل إذا جاع، ولا يرويه تصوُّر الماء إذا ظمئ، ولا يكسوه خيال الثوب إذا عري، ولا يريحه تفكير الراحة إذا تعب.
[١] SOPHISM .
[٢] لم يتعرض الأستاذ ـ دام ظلّه ـ إلى شخصيات السوفسطائيين، ولا إلى آرائهم العملية، ولذا نستدرك ذلك في ملحق خاص آخر الكتاب، فراجعه.