نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤١ - النظرية الثالثة الغلبة آية الحق
آخر، وأنّ الإسلام صار مغلوباً بالمسيحية المزعومة، أو الماركسية الملحدة، ولكنه زعم بسيط لا يثبت إلاّ بعد نفي سائر الفروض الّتي تصلح لتفسير هذه الغلبة، ومنها ما سنوضحه.
وقد استغلّ الغربيون هذه الفكرة للدعاية لمصالحهم، فترى المستشرقين والقسيسين يقولون: إنّ الطريق الدمث لتمييز الحق عن الباطل هو ملاحظة آثار الديانتين: المسيحية والإسلام، فإنّا نرى أنّ كل بلد أشرقت عليها شمس المسيحية تنعم بالرفاهية والعمران والتقدم الحضاري، وكل بلد يحكمه الإسلام تسود فيه الأميّة والتخلّف والانحطاط، أو ليس هذا دليلاً على كون الأولى حقّة والثانية باطلة.
ويقولون: إنّ المسيحية والإسلام شجرتان غرستا في المجتمعات الإنسانية، إلاّ أنّ السبيل السهل لمعرفة حقيقة الشجرة هو ثمرتها، ونحن نرى أنّ ثمرة شجرة المسيحية هي العلم والتمدن، وثمرة شجرة الإسلام خلاف ذلك.
ولكن هذه الكلمات مغالطات محضة، يتأثر بها السذج، فيفسّرون تقدّم البلاد المسيحية وتأخّر الإسلامية، بتقدم المنهج النصراني وتفوقه على المنهج الإسلامي، وهذا ادّعاء محض، لا يثبت إلاّ إذا كانت البلاد الإسلامية إسلامية حقّاً، وكانت السيادة فيها للإسلام الإسلام، وكانت البلاد المسيحية مسيحية حقّاً والسائد عليها هو الدين المسيحي، فعند ذلك يمكن أن نستدلّ بنجاح أحد المنهجين على الآخر بكونه حقّاً والآخر باطلاً.
ولكن لحسن الحظ، فإنّ كلا الأمرين منتفيان، فليست البلاد الإسلامية إسلامية بالمعنى الحقيقي، ولاالنظام إسلامي، ولا الحكام المتصدون للحكومة إسلاميون، ولا القوانين الإسلامية هي المطبّقة في المجتمع، وإنّما يحملون اسم الإسلام في تلك المجالات. ويوم كان الإسلام ـ ولو إلى حدود ما ـ سائداً فيها، كانت مزدهرة بالعلم والعمران، حليفة الرقي والتقدّم، وكانت البلاد الأوروبية والغربية عامّة، بما أنّها كانت متمسكة بالمسيحية المزعومة، متدهورة، لا أثر لعلم فيها ولا لحضارة، يعيش أهلها عيش الوحوش وتحكمهم قوانين الغاب.
وعندما انقلب الأمر وخلعت البلاد الإسلامية ربقة الإسلام عن عنقها،