نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٧ - الفلسفة الإسلامية والواقعية الموضوعية
وتفريع فروع لم تسمع، وإحداث طريق للبحث والتحليل لم يشاهد.
وفي ظل هذه الجهود المتمادية من فلاسفة الإسلام، بلغت الفلسفة الموروثة من مائتي مسألة إلى سبعمائة مسألة فلسفية عقلية فكرية [١]، مضافاً إلى التحوّل الّذي أوجدوه في العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية.
الفلسفة الإسلامية والواقعية الموضوعية
إنّ من الظلم الفاحش رمي أُمّة كبيرة تحتل هذه المكانة السامية في الحضارة الإنسانية ـ رميها ـ بالمثالية والسفسطة. وليس شيء أدلّ من نتاجهم العلمي الموجود بأيدي الجميع، على بطلان هذا الافتراء.
وهذا كتاب المسلمين يوقظ شعورهم، ويدعوهم إلى الاعتماد على السمع والبصر، وفي الوقت نفسه إلى التعقل والتفكر، يقول :
(وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[٢].
فذِكْر السمع والأبصار كنموذج، يعرّفنا موقف أدوات الحسّ. كما أنّ ذكر الأفئدة يُعرب عن مقام الفؤاد وهو العقل، في مجال المعرفة.
ويُستنتج من هذه الآية أنّ الإنسان يأتي إلى الدنيا خالي الذهن من كلِ علم ومعرفة حتّى المعارف البديهية والأوليّة، وإنّما يكتسب ما يكتسبه بعد اتّصاله بالخارج عبر أدوات المعرفة. ولو فرضنا انعدام تلك الأدوات، لما حصلت للإنسان أية معرفة متعلقة بما سوى ذاته.
وقد يتوهم ممّا ذكرنا أنّ الآية تنفي المعلومات الفطرية المودعة في ذات الإنسان، ولكنه توهّم باطل، لأنّ الآية الكريمة ترمي إلى نفي كل معرفة فعلية للإنسان حين ولادته ومجيئه إلى الدنيا، وهذا لا ينافي وجود معلومات فطرية مختمرة
[١] مقالة العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي بمناسبة مرور أربعمائة سنة على ميلاد صدر المتألهين .
[٢] النحل: ٧٨ .