نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢ - طوائف المنكرين
هل تعلمون أنّكم شككتم أو أنّكم أنكرتم، وهل تعلمون من الأقاويل شيئاً معيناً؟ فإن اعترفوا بأنّهم شاكون أو منكرون، وأنّهم يعلمون شيئاً معيناً من الأشياء، فقد اعترفوا بعلم ما وحقٍّ ما. وإن قالوا: إنّا لا نفهم شيئاً أبداً، وننكر الأشياء جميعاً حتّى إنكارنا لها أيضاً، ولعلّ هذا ما يتلفظ به لسانهم معاندين; فسقط الاحتجاج معهم، ولا يُرجى منهم الاسترشاد، فليس علاجهم إلاّ أن يكلفوا بدخول النار، إذ النار واللانار واحد; ويضربوا، فإنّ الألم واللاألم واحد»[١].
وقال الإمام فخرالدين الرازي: «اتّفق أهل التحقيق على أنّ المنازع للأوائل (البديهيات) في التصديقات، لا يستحق المكالمة والمناظرة، إذ لا يمكن إقامة البرهان على حقيقة هذه القضية، والّذي ينازع فيها، إمّا ينازع لأنّه لم يحصل له تصوّر أجزاء هذه القضية، وإمّا لكونه معانداً، وإمّا لأجل أنّه تعادلت عنده الأقيسة المنتجة للنتائج المتناقضة المتقابلة، ولم يقدر على ترجيح بعضها على بعض.
فإن كان المنازع من القسم الأول، فعلاجه تفهيم ماهيات تلك القضية.
وإن كان من القسم الثاني، فعلاجه الضرب والحرق، وأن يقال له: الضرب واللاضرب، والحرق واللاحرق واحد.
وإن كان من القسم الثالث، فعلاجه حلّ شكوكه»[٢].
***
[١] إلهيات الشفاء: ١١، ط طهران .
[٢] المباحث المشرقية، الرازي: ١ / ٣٤٩ ـ ٣٥٠. ولاحظ أُصول الدين، للبغدادي،: ٦، فقد ذَكر مضمون هذا الكلام بعبارة أُخرى .
وما نقلناه وغيره يدلّ على أنّ المتكلمين والفلاسفة الإسلاميين كانوا في القمة من الموضوعيين، كما كانوا مهتمين بدفع شبهات السوفسطائيين.