نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٨ - النظرية الثالثة الحقيقة أمر نسبي لا مطلق
وبذلك يظهر الجواب عن الأمثلة الّتي تمسكوا بها، فإنّها من الضآلة بمكان:
أمّا الأوّل: فإن أرادوا من صحة توصيف الصديق بالإخلاص والخيانة، أنّه يصحّ أن يكون في ظرف خاص مخلصاً وخائناً في الواقع، فهذا لا يقبله أحد، كيف والصداقة والخيانة مختلفان في المبادئ والآثار.
وإن أرادوا أنّه يمكن لإنسان أن يتخيّل خليله في ظرف مخلصاً، ثم يبدو له بعد ذلك أنّه كان خائناً في ذلك الظرف، فهذا لا يمتّ إلى النسبية بصلة، فإنّ الرأي الأوّل يرفض الرأي الثاني ويدفعه ولا يصدّقه، فأين اجتماع الحقيقتين المتغايرتين؟
ومن هذا يظهر حال ما زعموه في النظريتين المعروفتين في الأفلاك والعناصر، فإنّ العلم ـ بما أنّه كاشف عن الواقع ومرآة إليه ـ فلا محالة تكون إحداهما خاطئة مطلقاً والأُخرى صحيحة مطلقاً.
وأمّا المثال المعروف لدى النسبيين، الّذي يتمسكون به في أكثر كتبهم ورسائلهم، وهو أنّ الإنسان إذا أدخل إحدى يديه في ماء بارد والأُخرى في ماء حار، ثم أخرجهما دفعة وأدخلهما معاً في ماء ثالث فاتر، فإنّ كلاٍّ من اليدين تخبر عن حقيقة تخالف ما تخبر به الأُخرى، فهو مغالطة واضحة، فإنّهم لم يميزوا بين أمرين:
أ ـ الحسّان يخبران عن شيئين مختلفين (الحرارة والبرودة).
ب ـ الماء الثالث في حدّ ذاته حار وبارد في آن واحد.
فالصحيح في المثال هو الأوّل، وذلك لأنّ إحدى اليدين تنفعل بالماء الحار، فتبقى الحرارة في عروقها ومسامّها، واليد الأُخرى تنفعل بالماء البارد، فتبقى البرودة فيهما. فإذا وردتا بعد ذلك في الماء الفاتر، فلا شكّ أنّ اليد الحارة تحسّ بالحرارة، لأنّ حرارة الماء دون حرارتها، واليد الباردة تحسّ بالبرودة، لأنّ برودتها أشدّ من برودة الماء.
وأمّا الماء الثالث في حدّ ذاته، مع قطع النظر عن اليدين المختلفتين في التأثّر