نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢٦ - ب المانع في المعارف العقلية
محسوساً، حكمها على المحسوسات... ثم قال: إنّ المحسوس هو ما له مكان أو وضع بذاته، وهم إمّا جسم أو جسماني، هم ينكرون وجود ما لا يكون جسماً أو جسمانياً. والشيخ نبّه على فاسد قولهم بوجود الطبائع المعقولة من المحسوسات، لا من حيث هي عامة أو خاصة، بل من حيث هي مجرّدة عن الغواشي الغريبة من الأين والوضع والكم والكيف. مثلاً كالإنسان من حيث هو إنسان، الّذي هو جزء من زيد، أو من هذا الإنسان. بل كل إنسان محسوس، وهو الإنسان المحمول على الأشخاص، فإنّه من حيث هو هكذا موجود في الخارج، وإلاّ فلاتكون هذه الأشخاص أُناساً. ثم إن كان محسوساً، وجب أن يكون الإحساس به من لواحق معينة، كأين ما، ووضع ما، متعينين، وحينئذ يمتنع أن يكون مقولاً على إنسان لا يكون في ذلك الأين وعلى ذلك الوضع، فلا يكون المشترك فيه مشتركاً، هذا خلف. وإن لم يكن محسوساً، فها هنا موجود غير محسوس، وهو الموجود المعقول»[١].
ولأجل ذلك نرى أنّ الممارسين للعلوم الطبيعية قلّما يتأمّلون في الأُمور العقلية، فإنّ تلك الممارسة توجد فيهم ملكة لزوم صبِّ كل موجود في قالب المحسوس، فإذا سمعوا بوجود عوالم غيبية، أو معجزات خارجة عن قوانين الطبّ والفيزياء، تلقوه بغرابة، وأَحاطوه بالشك والاستفهام، إن لم يكن بالخرافة والجنون. ولكنهم لو أمعنوا في نفس العلوم الطبيعية الّتي يمارسونها، لوجدوها عملة ذات وجهين: الأوّل هو ما يمارسونه من النظم والعلاقات المادية، والثاني هو ما يدعو إليه رجال الدين والمعرفة العقلية من عالم الغيب.
يقول الحكيم السبزواري في معرض تبيينه لشدّة تأثير القوة الواهمة في حياة الإنسان وأفكاره:
فالوهم تابعٌ ذَوي الأوْضاع * يَحْسَبُ نورَ القاهِرِ الشعاعِ
يريد أَنّ الوهم يتعلّق بالحواس والمحسوسات إلى حدٍّ يحسب معه الإنسان أنّ
[١] لاحظ ما ذكرناه من كلام الرئيس والمحقق في شرح الإشارات: ٣ / ٢ ـ ٦ .