نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٩ - قيمتها العلميّة
وأمّا التجربة، فتُّخالِفُهما من حيث مناط وملاك إسراء الحكم، فإنّ المناط فيها هو الوحدة في النوع والحقيقة، والتماثل من جميع الجهات طراً إلاّ الزمان.
مثلاً: إذا أجرينا تجربة على جزئيات من طبيعة واحدة، كالحديد، تحت ظروف معينة من الضغط الجوي، والجاذبية، والارتفاع عن سطح البحر، وغيرها مع اتّحادها جميعاً في التركيب، فوجدنا أنّها تتمدد مقداراً معيناً، ولنسمّه (س) عند درجة خاصة من الحرارة، ولنسمّها (ح). ثم كررنا هذه التجربة على هذه الجزئيات، في مراحل مختلفه، في أمكنة متعددة، وتحت ظروف متغايرة، ووجدنا النتيجة صادقة تماماً: تمددٌ بمقدار (س) عند درجة (ح). فهنا نستكشف أنّ التمدد بهذا المقدار المعين، معلول لتلك الدرجة الخاصة، فقط، دون غيرها من العوامل، وإلاّ لزم أن تكون ظاهرة التمدد بمقدار (س) معلولة بلا علّة، وحادثة بلا جهة، لِصدْق النتيجة في جميع الظروف، والأمكنة، وهو أمر محال، لأنّ المفروض وحدة الأفراد في جميع الخصوصيات، إلاّ الزمان، والمفروض عدم تأثيره في الحكم. وعلى هذا يحكم العقل بأنّ الحديد، بجميع جزئياته وتراكيبه، يتمدد بمقدار (س) عند درجة (ح).
وعلى ضوء هذا، فما من تجربة إلاّ وفي جنبها حكم عقلي يوجب بسط الحكم إلى جميع الأفراد وفي جميع الأزمنة، ويُعبَّر عنه بالعبارات التالية:
أ ـ إذا كانت جميع الجزئيات متحدة في الحقيقة، ففرض وجود الخصوصية (التمدد بمقدار معين) في بعضها دون بعضها الآخر، يستلزم وجود هذه الخصوصية بلا علّة، وهو محال.
ب ـ إذا كانت جميع الجزئيات متحدة في الحقيقة، ومختلفة في الزمان فقط، ففرض وجود الخصوصية في بعضها دون الآخر يستلزم الترجيح بلا مرجّح، وهو في حكم فرض المعلول بلا علّة.
ج ـ إذا كانت جميع الجزئيات متّحدة في الحقيقة، ففرض وجود الخصوصية في بعضها دون بعض، يناقض حكم العقل بأنّ حكم الأمثال فيما يجوز وما لا يجوز واحد.