نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨٤ - الدليل الثاني ـ امتناع انطباع المتصل في المنفصل
نعم، هذه المقايسات والنسب تحصل في الدماغ بسرعة مذهلة، كما ربما يحصل في الآلات الحاسبة والأدمغة الإلكترونية، فيتخيل الإنسان أنّه شاهد العوالم الخارجية بسعتها. والحال أنّه إنّما شاهدها مصغّرة بما انعكس على الشبكية، لكن عملية المقايسة العقلية تأخذ مجراها بسرعة فائقة كما ذكرنا.
يلاحظ عليه :
نحن لا ننكر شيئاً ممّا أقرّ به العلم من تشبيه العين بآلة التصوير، كما لا ننكر تلك المقايسات العقلية، لكن ذلك كلّه ليس شافياً ولا دافعاً للسؤال، بل تجدنا نتساءل ثانية: أين هي تلك الصورة العلمية الكبيرة، الّتي صورتها الأعصاب والخلايا الدماغية بعمليات المقايسة، وفي أي محلّ تحلّ؟
وما ربما يقال من أنّ تلك الصورة، بتلك الكيفية، صورة خيالية لا واقع لها، غير شاف أيضاً، لأنّ الصورة الخيالية صورةٌ خيالية إذا قيست إلى الواقع، وأمّا بالنسبة إلى محلّها، فلها واقعيّة لا يصحّ سلبها عنها. فتصوّر إنسان له رأسان، صورة خيالية إذا قيست إلى أفراد البشر المتعارفين، ولكنها بالنسبة إلى المحل الّذي تحققت فيه، أمر واقعي.
ولذا يعود السؤال مرة أخرى: أين هي هذه الصورة الخيالية، بتلك الكيفية، المتحققة في محلّها بعد عملية المقايسة وحكم العقل ؟
فإن زعم الماديّ أنّ هذه الصورة، في الخلايا الإدراكيّة، عاد الإشكال ثانية (انطباع الكبير في الصغير).
وإن قال بأنّها موجودة في محلّ غير الجهاز المادي، فقد اعترف بتجرّد الإدراك عن هذا الجهاز.
الدليل الثاني ـ امتناع انطباع المتصل في المنفصل
إنّ من خواص المادة، إنفصالها وعدم اتّصالها، ولكنا نرى الأجسام وما فيها من الأشكال والخطوط، متصلة. ولو كانت الصور العلمية حالّة في المادة، لظهرت هذه الصور في الذهن، متخلخلة، لأنّ محالّ الإدراك منفصلة