نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٤ - النظرية الثانية الحق هو النافع والموهوم هو الضارَ
وإن شئت قلت: إنّ القضايا على قسمين:
قضايا لا تحكي عن الخارج، وهذه مثل الحقوق المجعولة للشعوب، فإنّ لكل شعب، الحرية في اختيار مصيره، فإن جنح شعب إلى الاتّحاد مع شعب آخر ليشكّلوا دولة واحدة، فذلك لهم. وإن جنح إلى الانفصال وترك الحلف، فذلك له أيضاً . وهو حق في كلتا الحالتين، لأنّ الشعب يميل إليه. فهذه القضايا ليست حاكية عن الخارج، فلا مناص من جعل الملاك فيها، الإجماع والتصويت، وعدمهما.
وقضايا حاكيات عن الخارج، تُري الحقيقة الراهنة وراء الذهن. وبما أنّ الحقيقة ليست متعددة، بل هي واحدة، فلا يمكن أن تكون كلتا النظريتين موصوفة بالحقيقة، فإنّ الأرض إمّا أن تدور حول الشمس، أو تدور الشمس حول الأرض، وليست الحقيقة خارجة عنهما. فالقول بأنّ كلتا النظريتين صائبة وحقيقية، كل في ظرفها الخاص، يرجع إلى السفسطة وإنكار كاشفية العلم، فإذا كان المكشوف واحداً، فأحد العلمين خطأ ليس له كشف ولا إراءة.
فكان الحري بهذا الفيلسوف دراسة المسائل السياسية والمسائل الكونية، والإمعان في كل منها، ليعرف الفرق في ملاك الحقيقة والخطأ بينهما.
النظرية الثانية : الحق هو النافع والموهوم هو الضارَ
وهناك نظرية ثانية في تمييز الحقيقة عن الوهم قالت بها الفلسفة البراغماتية[١]، وهي أنّ كل ما يكون نافعاً فهو حق، وكل ما كان ضارّاً فهو باطل. فالعدل حق، إذ به يقوم المجتمع وينسجم، والظلم باطل لأنّه يهدم المجتمع ويشتت شمله. وهكذا سائر القوانين والسنن الاجتماعية والسياسية.
يلاحظ عليه أمران:
الأوّل: إنّ ما ذكر إنّما يختصّ بالأحكام الكليّة والقوانين العامة، فالصدق
[١] PRAGMATISM. لاحظ الفلسفة العلمية لفيلسين شاله، ص ٢٠٣. وسيأتي بحث مبادئ هذه الفلسفة في الفصل الثامن عند البحث عن دوافع إخراج العوالم الغيبية عن إطار المعرفة.