نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٩ - الجواب
العلم بالشيء عين الكشف عنه، فلا يصحّ لنا الاعتراف بالعلم من دون المعلوم، ولا بالصورة الإدراكية من دون مكشوفها.
والمؤمن بالحقائق لا يدّعي أنّ الإنسان يصل إلى الخارج الموضوعي بوصف كونه موجوداً خارجياً حاضراً بنفسه عند المدرك لا واسطة الصورة الذهنية، بل كلُّ من سلك منهج اليقين لا يريد إلاّ الوصول إلى الواقع عن طريق صُوَرِه الحاضرة لدى مداركنا، الكاشفة عن الأعيان الخارجية.
الشبهة الثالثة: خطأ الإدراكات العقلية
لو كان العلم كاشفاً عن معلوم سواه، لكان الكشف خاصيّة لازمة له، ولكان العلم على نحو الإطلاق، كاشفاً عن وجود معلومه من غير تخلُّف، مع أنّه باطل بضرورة العيان، لكثرة الأغلاط والتناقضات في مختلف العلوم.
وبعبارة أُخرى: إنّ عشاق البراهين الفلسفية، مع ما تجهّزوا به من الفنون الصائنة عن الخطأ ـ على حدّ زعمهم ـ قد أحاطت بهم الأوهام، وحاقت بهم الأغلاط في العلوم والمسائل الفلسفية، وما زال الجدل قائماً بينهم على قدم وساق، فالمتأخر يناقش براهين المتقدّم ويبطلها، وهذا يسوق الإشكالات على مقالات ذاك ويفنّدها. ولو تدبّر الإنسان الحرُّ في الوضع السائد بينهم، لوقف على أنّ ما يسمّيه القوم علوماً وأدلّة، ليس سوى خيالات وتسويلات.
وعلى ضوء ذلك، كيف يطمئن الإنسان إلى ما يقف عليه من طريق العقل ؟
والجواب
أوّلاً: إنّ الإنسان الواقعي لا ينكر اختلاف الفلاسفة والمفكرين في درك الحقائق، ولم يدّع أحدٌ أنّه مصون عن الخطأ والاشتباه. غير أنّه يقول إنّ هناك معارف وحقائق لا يختلف فيها اثنان، هي المعارف البديهية والقضايا الضرورية الّتي اصفق على صحّتها وصدقها عامّة البشر.
وهذه العلوم الضرورية تستوعب قسطاً وافراً من معارف البشر، فقد