نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٣ - ٦ درك المفاهيم الإبداعية
٥. التركيب والتلفيق
ومن عمليات العقل، التلفيق والتركيب:
أمّا التلفيق، فيكون في مجال التصور، حيث يقوم العقل بالجمع بين بسيطين وإبداع شيء ثالث منهما في صقع الذهن، كتصور فرس بجناحين.
وأمّا التركيب، فيكون في مجال التصديق، حيث يقوم العقل بتركيب قضيتين ويستنتج منهما نتيجة قاطعة.
وقد اعتنت الفلسفة الغربية بهذا القسم من عمليات العقل، وركز عليهما الفيلسوف الطائر الصيت «جان لوك» وبعده «كانت»، فجاءا بمفاهيم جديدة في الفلسفة.
***
٦. درك المفاهيم الإبداعية
وإن من عمليات العقل، صنع مفاهيم ليس لها في الخارج مصداق تنطبق عليه، وإن كان العقل لا يستغني عن لحاظ الخارج في صنعها. وبعبارة أُخرى: ليس لها مصداق في الخارج، وإن كان لها منشأ انتزاع.
وهذا كمفهومي الإمكان والامتناع، فليس لنا في الخارج شيء نسميه بالإمكان أو نسميه بالامتناع، وإنّما هما من المفاهيم الإبداعية للنفس بعد قياس الماهية إلى الخارج. فإذا لاحظ مفهوم «الإنسان»، ورأى أنّ نسبة الوجود والعدم إليه في الخارج سواء، يصفه بأنّه ممكن الوجود، ويبدع مفهوم الإمكان وليس له مصداق في الخارج، إذ ليست التسوية أمراً متحققاً فيه حتّى تقع مصداقاً للإمكان، ومثله الامتناع، كما إذا لاحظ مفهوم اجتماع النقيضين ورأى أنّ اتّصافه بالوجود في الخارج غير قابل للتحقق، فيصفه بأنّه ممتنع الوجود، فيبدع مفهوم الامتناع، وليس للإمتناع مصداق في الخارج.
وكم للنفس من مفاهيم إبداعية ليس لها مصاديق خارجية، وإن كان لها مناشئ.