نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤ - منهج الشك
الوسطى بين السفسطة الّتي تريد أن تضرب على الحقائق بقلم عريض وعلى كل ما في الكون من وجود وثبوت، على الإطلاق، اوباستثناء نفس الإنسان وذهنه وتفكيره ; والفلسفة ومذهب اليقين الّذي مشى عليه سقراط وأساتذته وتلامذته، وتبنوا وجود الحقائق وإمكان الوصول إليها بالمنطق السليم.
قالوا: إنّ الطرق الّتي اتّخذها الإنسان لنفسه للوصول إلى الواقع، لاتعطيه يقيناً ولا اطمئناناً، إذ الحسّ والعقل خاطئان في إدراكها ـ بلا شك ـ في موارد شتّى، وإن المنطق الأرسطي لا يعصم فكر الإنسان عن الخطأ. فالأوْلى، تحفّظاً على كرامة الواقع، هو التوقف في الرأي، والسكوت دون الواقع، بلا فرق في ذلك بين المسائل الطبيعية وغيرها.[١]
ولكن هذا المذهب لم يعمّر طويلاً، فخمدت جذْوته إلى القرن السادس عشر، عندما قام الغرب بحضارته الصناعية، ونشطت العلوم الطبيعية، واكتشفت النواميس الماديّة. عند ذلك أُحيي مذهب الشك من جديد، واستأنف نشاطه بأساليب مختلفة، وغدا ما أفناه الدهر من أفكار الشكاكين اليونانيين غضّاً طرياً نابضاً بالحياة الّتي بعثها فيه رجال نظراء «باركلي» و «شوبنهاور». فصار الشك في إمكان الوصول إلى الواقع الموضوعي في الغرب شعاراً للمنكرين.
وقد احتج منهج الشك الحديث ـ الّذي ورث أُصوله من «پيرون» ـ بجملة من الشبهات نذكرها فيما يلي.
[١] وقد نقل عن پيرون بطل منهج الشك أنّه أثبت بحجج عشر ضرورة الشك المطلق، وأن كل قضية من القضايا تحتمل وجهين: الإيجاب والسلب. وأهمّ تلك الأدلّة أنّ العلوم الإنسانية تخضع لعوامل خارجية وداخلية، لها دور في تبلور الخارج في ذهن الإنسان. ولأجل ذلك لو تبدلت تلك الشروط والعوامل، لتبلور الخارج على المَدارك بشكل آخر. وأمّا الحقيقة الواقعية الموضوعية، فهي خفيّة على الإنسان.
وبعبارة أخرى: كان رئيس الشكّاكين الأغارقة يردد هذه المقولة: إنّ من الممكن أن يكون للأشياء كيفية خاصة، غير أنّا لا ندركها على ما هي عليه، بل ندركها حسب الدور الّذي تلعبه الظروف والشرائط الزمانية والمكانية في وقوفنا عليها. وعلى ذلك فلا يمكننا الحكم على معرفة بالخطأ والصواب، لأنّنا نفقد الميزان الّذي يعيّن حدودهما.
وهذا عين ما تمسَّك به النسبيون من الفلاسفة الغربيين في إثبات نسبيّة المعرفة، كما سيوافيك.