نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٤ - قيمته العلميّة
ومع ذلك كلّه، فالخبراء لم يحصل لهم اليقين القاطع بأنّ هذا هو سبب الحريق لا غير، علماً لا يحتمل معه أي احتمال آخر، كاحتمال أن تكون الطائرة الّتي مرّت فوق المعمل قبل احتراقه، قد أحدثت شرارة أوجدت الحريق. فإنّ هذا الاحتمال غير معدوم على القطع، وإن كان ضئيلاً للغاية. ومع ذلك فالمحللون للقضية يهملون هذا القدر من الاحتمال ولا يعتنون به .
وعلى ذلك، فهناك نسبة خاصة بين التوغل في الاستقراء، وضآلة الاحتمال المخالف، فكلّما اتّسع نطاق الاستقراء، وطَرَق المستقرئ كلَّ باب يواجهه، وقطع كل طريق يعترضه، وإن لم يستوف جميع الطرق لعدم تمكّنه منه، أو لوجود مانع عنه، أو لوجود صوارف خاصة، كان الاحتمال المخالف لنتيجة الاستقراء ضئيلاً.
وكلما ضاق نطاق الاستقراء، واكتفى المستقرئ بالأقل من الكثير، صار الاحتمال المخالف ماثلاً في الذهن غير غائب عنه. فغيبوبة الاحتمال المخالف شدّة وضعفاً، أو ظهوره كذلك، تابع لاستفراغ الوسع وبذل الجهد.
ولو أردنا أن نفرغ ذلك في قالب الاصطلاح الرياضي، نقول: إنّ بين قوة الاستقراء وضعفه من جهة، وقوة الاحتمال وضعفه من جهة أُخرى، تناسب عكسي. فكلما قوي الاستقراء وطال نطاقه، ضعف الاحتمال المخالف، وكلما قوي الاحتمال المخالف للنتيجة الّتي يفيدها الاستقراء، يكشف عن ضعف الاستقراء. فلو أراد المستقرئ أن يصل إلى القمة من العلم العرفي والاطمئنان العقلائي، فعليه أن يستفرغ وسعه إلى حدّ ينتفي معه الاحتمال المخالف من زوايا الذهن، وإن كان لا ينعدم أبداً إلاّ اذاكان الاستقراء تامّاً.
وليُعلم أنّ ملاك الحكم في الاستقراء هو التشابه بين الشيئين، ومن المعلوم أنّ المتشابهين قد يختلفان في الحكم، إلاّ أنّا إذا نظرنا إلى الأكثرية فوجدناها محكومة بحكم خاص، نُلحق البقية بها، ولذلك لا يمكن القطع بالحكم، إذ ليس هنا دليل عقلي يُبَرْهَنُ به على وحدة المتشابهين في الحكم.
وأمّا التجربة ـ الآتي بحثها ـ فالأساس في سريان الحكم فيها إلى جميع الأفراد، هو التماثل في الحقيقة والتوحّد في الماهية، ومن المعلوم أنّ المتماثلين يجب