نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٨ - ب ـ نظرية أصحاب الفلسفة المادية الديالكتيكية
ب ـ نظرية أصحاب الفلسفة المادية الديالكتيكية
إنّ أصحاب هذه الفلسفة يعتقدون بتعدد مراحل الفلسفة، كأصحاب الفلسفة العلمية، غير أنّهم يبينون تعدد المراحل بالشكل التالي:
١. مرحلة الحسّ.
٢. مرحلة التعقل.
٣. مرحلة العمل والتجربة.
ونحن نقرّر ذلك في ظل مثال:
افرض أنّ إنساناً يريد أن يطّلع على علّة مرض خاص كالسلّ، فيريد أن يقف على علائمه وآثاره، وعلله وموجباته، ودوائه الناجع في اقتلاعه من المجتمع، فعند ذلك يحين أوان المرحلة الأولى، فيتفحص حياة المبتلين بالسلّ وكيفية عيشهم وأماكن سكنهم ومحيطهم، فيجمع عن الجميع معلومات خاصة يجمعها قولنا: إنّ السائد عليهم هو العيش في أمكنة مظلمة ملوثة بالدخان والغبار، ويتغذّون بأطعمة فاقدة للقيمة الصحيّة والغذائية.
ثم بعد ذلك يأتي أوان المرحلة الثانية، وهي مرحلة التعقل، وهي عبارة عن مطالعة تلك المعلومات، وحَدْس العلة الحقيقية الكامنة وراء حدوث هذا المرض وتكوّن جراثيمه في البدن. وعند ذاك توضع الفرضيات العلمية، إذ يحدس هذا العالم أنّ العلة هي ذي، وآخر أنها ذِهْ وثالث أنّها تلك.
ثم إذا تمّت المرحلة الثانية، وعرض العلماء والمفكّرون فروضهم لظهور هذا المرض، يأتي أوان مرحلة التجربة، فإنّ الفروض لا تُعلم صحتها إلاّ بالتجربة، فإذا قام المجرّبون بعملياتهم التجريبية في المختبرات، يُميَّزُ الفرض الصحيح من الفروض الباطلة.
هذه هي مراحل المعرفة المختلفة. والمعرفة في ضوء المثال المتقدم تبدأ من الحس إلى العقل، ومن العقل إلى التجربة.
وإن شئت قلت: المعرفة عبارة عن حركة المادة إلى جانب الشعور والتعقل ومنه إلى جانب المادة الخارجية.