نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٦ - الفتوحات الغيبية والذكر الحكيم
والتحذير عن الرذائل ولزوم اجتنابها، من دون بيان الطرق الّتي يصل بها الإنسان إلى تلك الأُمنية الكبرى.
وقد سدّ العرفاء الإسلاميون هذه الثغرة، وبيّنوا الوسيلة الّتي يبلغ بها الإنسان تلك الأهمية، وهي سلوك المنازل العشرة المتقدم ذكرها، ليصير الإنسان بعدها، إنساناً كاملاً ذا حسّ وعقل وشهود.
الفتوحات الغيبية والذكر الحكيم
إنّ في الذكر الحكيم لآيات كثيرة تصرِّح بأنّ الإنسان المتّقي، المتحلّي بالفضائل، والمتنزّه عن الرذائل، ترعاه عناية الله تعالى، وتفيض عليه الهداية بعد الهداية، والعلم بعد العلم، ولا يزال يرقى مدارج المعرفة حتّى يبلغ مقام شهود عالم الغيب. ونذكر فيما يلي نبذة منها.
١. يقول عزّوجلّ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً)[١]. أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحقّ والباطل، وتميّزون به بين الصحيح والزائف، تارة بالبرهنة والاستدلال، وأُخرى بالشهود والمكاشفة.
٢. ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[٢] والمراد بالنور، النور الّذي يمشي المؤمن في ضوئه في دينه ودنياه وآخرته، وهذا النور نتيجة إيمانه وتقاه. ويوضحه قوله سبحانه: (أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا)[٣] .
٣. ويقول سبحانه: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ)[٤]. فإنّ العطف يحكي عن وجود صلة بين التّقى والتعليم .
[١] الأنفال: ٢٩ .
[٢] الحديد: ٢٨ .
[٣] الأنعام: ١٢٢ .
[٤] البقرة: ٢٨٢ .