نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠٠ - عناصر عقلية في المعارف الحسيّة
العلية والمعلولية، أو ضرورة وجود المعلول عند وجود علّته، فإنّها معان عقلية خارجة عن أُفق الحسّ.
٣. إنّ المعرفة الحسيّة محدّدة بالزمان، فالحسّ يقف على الأشياء المتحققة في الزمن الحال، دون الّتي تحققت في غابر الزمان، أو ستتحقق في مستقبله وإن كانت أشياء محسوسة، بل لابدّ في إدراك الماضي والآتي من أداة أُخرى.
٤. المعرفة الحسيّة محدّدة بالمكان والجهة، فكما أنّ الإنسان لا يدرك إلاّ الأشياء الواقعة في الزمن الحاضر، فهكذا لا يدركها إلاّ في مكان أو جهة خاصة.
وأمّا المعرفة العقلية فهي على النقيض من المعرفة الحسيّة، إنّها معرفة كليّة لا جزئية، تتعلّق بمفاهيم خارجة عن الحسّ، كما هي غير مقيّدة بالزمان والمكان والجهة، سواء أكانت معرفة تصورية، كالإنسان الكلّي، أم تصديقيّة، كالقوانين الّتي يستنبطها الإنسان من التدبُّر في الطبيعة.
عناصر عقلية في المعارف الحسيّة
إنّ هناك معارف تبدو للرأي العام أنّها حسيّة، مع أنّها في الحقيقة معارف عقلية، وإليك نماذج منها.
١. نحن نعتقد بوجود الإسكندر المقدوني ذلك الفاتح العالمي، ووجود نابليون بونابرت ذلك القائد العسكري، ونخال أن معرفتنا بوجودهما معرفة حسيّة ولكن الواقع أنّها معرفة عقلية، إذ نحن لم نر أيّاً منهما، ولا شاهدنا شيئاً من بطولاتهما وفتوحاتهما، وإنّما قرأنا ذلك في الكتب. فالمحسوس لنا في الحقيقة هو المكتوب والمقروء لا نفس الرجلين وما قاما به من أعمال.
ونحن نحتمل ـ وراء ذلك ـ أن يكون كل ما نقرؤه ونسمعه عنهما باطلاً وكذباً، غير أنّ العقل يدفع هذا الاحتمال ويقول: إنّ من الممتنع أن تكون تلك الأخبار المتضافرة كاذبة، إذ من المحال أن يتواطأ عبر القرون جميع المؤرّخين على اختلاف مشاربهم، على جعل الأكاذيب حول الرجلين. فعند ذلك نذعن بصحة وجودهما وبطولتهما وآثارهما.