نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٩ - الأمر الثالث هل الحسّ هو الأداة الوحيدة للإدراك؟
طريق الحواس. وبعد ذلك يأتي دور العقل والفكر، وهو لا يخرج عن أحد الأمرين التاليين: التركيب والتجزئة; والتجريد والتعميم.
أمّا عمل الذهن في مجال التجزئة والتركيب، فكما لو رأى عن طريق الباصرة جبلاً وذهباً في الخارج، فيركب الذهن بينهما ويتصور جبلاً من ذهب. أو يرى حيواناً وشجراً، فيجزّئهما إلى أعضاء وأجزاء.
وأمّا عمله في مجال التجريد والتعميم فهو بأنّ يفرز خصائص الصور ويجرّدها عن مشخصاتها ويترك مفاهيمها العامة، كما إذا رأى زيداً وعمراً وبكراً، فيجرِّدهم عمّا يحيط بهم ويلابسهم من المشخصات، ويأخذ بالقدر المشترك وهو الإنسانية. وهكذا الحال في سائر أدوات الحسّ.
وقد اشتهر قول المبشر بهذه النظرية: «ليس من شيء في العقل إلاّ وله أثر في الحسّ».
وعلى ضوء ما تقدم يكون الرصيد الوحيد للمعارف البشرية هو الحسّ ومعطياته، وأمّا دور الذهن والعقل فينحصر في الأُمور الأربعة: التجزئة والتركيب والتجريد والتعميم.
وتحليل هذه النظرية يقع ضمن الأُمور التالية:
١. إنّ ما ذكروه من أنّ الإنسان يولد خالي الذهن عن كل معرفة، أمر مسلَّم أقرّت به الفلاسفة جميعاً، وصرّح به الذكر الحكيم كما تقدّم[١]. وإليه يشير قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: «وإنّما قلب الحدث كالأرض الخالية»[٢].
٢. من المسلّم أيضاً أنّ الحسّ هو الينبوع الأساسي للتصورات والتصديقات البديهية والنظرية وأنّ من حرم لوناً من ألوان الحسّ، لا يستطيع أن يتصور المعاني الكليّة ذات العلاقة بذلك الحسّ الخاص، ومن فقد جميع حواسه، عجز عن إدراك أبسط المعارف وتصورها.
[١] النحل: ٧٨ .
[٢] نهج البلاغة، الكتاب ٣١: كتابه ـ عليه السَّلام ـ لولده الحسن ـ عليه السَّلام ـ .