نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٠ - الأمر الثالث هل الحسّ هو الأداة الوحيدة للإدراك؟
٣. إنّا نفنّد تحديد دور العقل في مجال المعرفة بالتجزئة والتركيب، والتجريد والتعميم، فإنّ القول بأنّ الحسّ هو الينبوع الأساسي للتصورات، لا يسلب عن الذهن قدرة توليد معان جديدة لم تدرك بالحسّ، فليس من الضروري أن يكون قد سبق تصوراتنا البسيطة جميعاً، الإحساس بمعانيها.
فالحسُّ، على ضوء ما أثبتته التجارب، هو البنية الأساسية الّتي يقوم على قاعدتها صرح التصورات البشرية، ولكن ذلك لا يعني تجريد الذهن عن ابتكار تصورات وتصديقات جديدة على ضوء التصورات المستوردة من الحسّ. كيف، وقد سبق منا القول ـ عند البحث عن تعريف العلم ـ بأنّ هناك مفاهيم تصورية باسم المعقولات الثانوية، تنالها النفس وتقف عليها من دون أن يكون لها أثر في الحسّ والخارج، كما أنّ هناك تصديقات تنالها النفس من دون أن تعتمد في نيلها على الإدراكات الحسية، كالحكم بامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، أو امتناع الدور والتسلسل. فمحاولة الحسيين إرجاع كل المعارف التصورية والتصديقية إلى الحسّ، بنحو من الأنحاء، محاولة فاشلة. وسيوافيك بيان واف عند البحث عن العقل.
فالفرق ـ إذن ـ بين منهجنا ومنهج الحسيين هو أنّهم يحصرون أداة المعرفة به، بينما نحن نجعل المعرفة الحسّية ممهدة لتسنّم العقل منصة إدراك أمور ليس لها في الخارج من أثر، في مجالي التصور والتصديق، على ما عرفت. وكم فرق بين حصر المعرفة بالحسيّة فقط وحصر أدواتها بالحس فحسب; وجعل الحسّ ومعارفه ممهدة لحصول معارف أرقى وأعلى، كما عليه فلاسفة الإسلام .
*