نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٩ - ٣ حقائق الأشياء
٣. حقائق الأشياء
قد عرفت أنّ الماهيات، حدود الوجود الّتي تتكفل ببيان مراتبه، ولكن هل بإمكان الإنسان الوقوف على واقعية تلك الحدود الّتي يعبّر عنها تارة بالماهيات، وثانية بالجنس والفصل، وثالثة بالنوع؟ أو أنّ المعرفة تقتصر على لوازم الأنواع وخصائصها الّتي يعبّر عنها بالأعراض الخاصة والعامة؟
المنقول عن الشيخ الرئيس أنّ معرفة حقائق الأشياء أمر عسير إن لم يكن محالاً، وأنّ المعرفة إنّما تتعلّق بلوازمها وخصوصياتها.
مثلاً: المعروف في بيان حقيقة ماهية الإنسان أنّه «حيوان ناطق»، حيث جعلوا «الحيوان» جنساً، و «الناطق» فصلاً. مع أنّ فيه تأمّلاً واضحاً، لأنّه إن أُريد من الناطق، الناطق باللسان، فالنطق كيف جسماني; وإنْ أُريد منه المفكر، فالتفكير كيف نفساني; وإنْ أُريد منه النفس الناطقة، فما هي ماهية النفس؟.
يقول بعض المعاصرين: «إنّا نعيش في عالم مملوء بالحقائق والقوى، ولا نعلم أيَّ شيء هي. وهذا في الدنيا الّتي نعيش فيها، ونلمسها، ونزاول شؤوننا فيها، فكيف بالعوالم الأُخرى البعيدة عنّا؟ نقول: إنّ العالم مكوّن من ذرّات، ونقول إنّ الذرّة مكونة من الكترونات، أو من نواة وشحنة كهربائية سالبة وموجبة، ويتغيّر رأينا في تكوين الذرّة بمعدّل مرّة كل أربع سنوات، ونتبجح فنعمل من الذرّة قنابل ذريّة، ونحن لا نعلم عن حقيقتها شيئاً. نقول إنّ الأجسام تسقط لقانون الجاذبية، والمصباح يشتعل بالكهرباء، ونسخّر الكهرباء في إيجاد الحرارة والبرودة والحركة، وإيجاد الأمواج واستقبالها، ولكن ما الكهرباء؟ لا نعلم عن حقيقتها شيئاً، وإنّما نعلم كيف تستخدم، بل الحياة نفسها لم نعرف حقيقتها، وإن كانت تسكن فينا، وكل ما حولنا لا نعرف حقيقته، وإنّما نعرف أعراضه. وبعبارة أُخرى: نعرف «كيف»، ولا نعرف «ما» و «لماذا».[١]
[١] مجلة رسالة الإسلام الصادرة عن دار التقريب بالقاهرة، السنة الرابعة، العدد الأول (ربيع الثاني ١٣٧١ هـ)، ص ٢٤، مقالة للدكتور أحمد أمين بعنوان «ما نعلم وما لا نعلم».