نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٥ - انتحار النسبية بيدها
أُخرى، أو لدى أجهزة إدراكية أخرى، أن يُحكم في تتلمذ أرسطو على أفلاطون بشكل آخر، بل ربما انقلبت القضية إلى ضدها، وكان أفلاطون تلميذاً لأرسطو!. وما قيمة علوم وقضايا أُسست على إدراكات متزلزلة، غير ثابتة، هي على جرف هار.
انتحار النسبية بيدها
وها هنا مؤاخذة أُخرى، لو تأمّلها القائلون بالنسبية، لرجعوا عن ذلك المنهج، وهي أنّا نسألهم عمّا يتبنونه في مجال نظرية المعرفة، فنقول لهم:
إنّ قولكم: إنّ ما يدركه الإنسان في مجال التصوّر والإدراك يخضع في الكيفية والخصوصية للذهن المدرِك، والظروف المحيطة بالإنسان حين الإدراك، هو قضية علمية، تريدون إلقاءها وإفهامها للناس. فحينئذ نسألكم: هل هي قضية مطلقة صادقة لدى جميع الأذهان، وفي جميع الظروف، لا تتغيّر ولا تتبدل مهما تغيّرت تلك وتبدّلت؟. أو أنّها قضية صادقة لدى الذهن الّذي أدركها، وفي الظرف الّذي أُدركت فيه، على وجه لو طرأ التغيّر فيها، لتبدّلت إلى قضية غيرها؟.
على الأول، فقد اعترفتم بقضية مطلقة صادقة، غير خاضعة لأي ظرف، لأنّكم تتلقون هذه القضية بصورة قضية غير مقيّدة بوضع خاص، وزمان محدّد، وما هو كذلك يكون قضية مطلقة. ففي الوقت الّذي تجاهدون فيه لإثبات نسبية جميع القضايا بلا استثناء، تثبتون قضية مطلقة صادقة في جميع الأحوال والظروف، وهي قولكم: إنّ إدراكات الإنسان كلّها إدراكات نسبية.
فعندئذ تنتقض كلية القضية بنفسها، لأنّ لازمه أن تكون جميع الإدراكات نسبية إلاّ هذه، وهذا ما يقال له: يلزم من فرض وجوده عدمه.
وعلى الثاني، وهو أن تكون نفس هذه القضية، قضية نسبية، أي أنّ اتّصاف جميع القضايا والإدراكات بأنّها نسبية تابعة لظروف محددة، ليست قضية كليّة، بل هي أيضاً نسبية تابعة للظروف والأحوال الّتي أُدركت فيها، يلزم أن لا تكون سائر القضايا قضايا نسبية، وإنّما يكون النسبي هو هذه القضية فقط .