نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٢ - ١ الاستنتاج
فالعقل في هذه العملية ينتقل من حكم كلّي إلى حال موضوع خاص، ولأجل إيضاحه نضرب بعض الأمثلة:
مثال أوّل: إذا وقف العقل على أنّ لكل ظاهرة طبيعيّة، علةٌ، يحكم بأنّ للثورة الفرنسية علّة، وللحريق الواقع في غابة أو معمل سبب، كما يحكم ـ في ظل هذه القاعدة الكليّة ـ بأنّ لكلِّ موجود إمكاني، كالإنسان والحيوان والنبات والجماد، علّةً أخرجته من كتم العدم إلى ساحة الوجود .
مثال ثان: أُفرض أنّ الإنسان وقف عن طريق البرهان على أنّ زوايا المثلث تساوي ١٨٠ درجة. وقد استقرّ عقله على هذا الحكم الكلّي، فكلُّ مثلث يُعرض عليه في أي نقطة من نقاط الدنيا، يحكم ـ بفضل ما حصّله بالبرهان ـ بأنّ زواياه ١٨٠ درجة.
مثال ثالث: إذا استخرج عن طريق البرهان الفلسفي أنّ التغيّر يلازم الحدوث، أي الوجود بعد العدم، فيستنبط حكماً كليّاً من البرهان، وهو أنّ كل متغيّر حادث. وفي ضوء هذا الحكم الكلّي، كلما عُرض عليه جزء من هذا العالم المتغير، سمائِه وأرضِه، ذرَّتِه ومجرَّتِه، يحكم بأنّه حادث.
وقس على ذلك جميع البراهين العقلية في مجال الرياضيات والفلسفة والاجتماع، فالعقل يُحْضِر الحكم الكلّي عن طريق البرهان ثم يطبقه على الموارد المعروضة عليه .
مثال رابع: العقل يحكم عن طريق البرهان بأنّ الدور محال. وذلك لأنّ معنى الدور أن يتوقف (أ) على (ب)، وفي الوقت نفسه يتوقف (ب) على (أ) فتوقف (أ) على (ب)، معناه كون وجوده ناشئاً منه ومفاضاً عنه، فيستلزم تقدّم (ب) على (أ) زماناً أو رتبة. فلو فرضنا في الوقت نفسه توقف (ب) على (أ) ـ الّذي معناه تأخر (ب) عن (أ) لكون وجوده ناشئاً منه ـ يلزم أن يكون شيء واحدٌ، في آن واحد، ولحاظ فارد، متقدماً ومتأخراً، وليس هذا إلاّ اجتماع للمتضادين وهو محال. وكل ما استلزم المحال، محال، فالدور محال.
فهذا ما يستلزمه الدور. وعلى ضوئه، فَكُلُّ فَرَضيَّة علمية تعرض على