نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٤ - سؤال وإجابة
الإمكانية لله تعالى، أُسوةٌ وقدوة للإنسان لكي يقوم بما تقوم به تلك. ومعنى ذلك أنّ المعرفة النظرية، علةٌ تامّةٌ للإستنتاج، لا أنّها المقتضي، ولا أنّها تقتصر على تعيين الموضوع.
٢. قوله تعالى: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )[١].
إنّك ترى بوضوح في هذه الآية أنّ قوله: (وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ) تعليل لقوله: (أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ)، فهو يستدلّ بمعرفة نظرية، وهي مطاوعة ما في الكون واستسلامه لله سبحانه، على معرفة عملية، وهي لزوم استسلام الإنسان لله سبحانه لا للأصنام والأوثان، ولا للنفس الأمّارة. فكأنّه يقول: يجب على كل إنسان قبول دين الله تعالى وإطاعته والتسليم له، لأنّ كلَّ ما في الكون مستسلم لله تعالى.
٣. قوله تعالى: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)[٢]، وبما أنّ العلم لا ينفك عن الفريضة والتكليف، فرض سبحانه على آدم الإجتناب عن الشجرة، وقال: (قُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَ لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ)[٣]. فصارت معرفة آدم للأسماء ـ خصوصاً ما يرتبط منها بسعادة الإنسان أو شقائه ـ علّة لهذا الواجب، وهو لزوم اجتناب الشجرة.
٤. قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لآيَات لأُولِي الأَلْبَابِ)[٤].
فما في هذه الآية، معرفةٌ نظرية صارت دليلاً على حكم عملي مذكور في الآية التالية، وهي قوله :
(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَ قُعُوداً وَ عَلَى جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ
[١] آل عمران: ٨٣ .
[٢] البقرة: ٣١ .
[٣] البقرة: ٣٥ .
[٤] آل عمران: ١٩٠ .