نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٨ - ١ الموانع الخارجية للمعرفة
فلابدّ إذن من رعاية شرائط مادة كل قياس. وقد مضى أنّ المعرفة، كما تصدق على المعرفة اليقينية، تصدق على المعرفة الظنية أيضاً، على تأمل كما سبق. وهذه الأقيسة الثلاثة مشتملة على المعرفة: إمّا يقيناً للمستدلّ، أو يقيناً عند من يحتج عليه، أو ظناً عند المخاطب.
وأمّا القياس الشعري، فلا يفيد معرفة، لأنّ الغرض من الشعر ليس سوى التأثير على النفوس لإثارة عواطفها، من سرور وابتهاج أو حزن وتألم، أو إقدام وشجاعة أو غضب وحقد أو خوف وجبن، أو تهويل أمر وتعظيمه أو تحقير شيء وتوهينه، أو نحو ذلك من انفعالات النفس، باستخدام الأوزان الشعرية لما فيها من نغمة تلهب الشعور وتحفزه.
وهكذا قياس المغالطة، لا يفيد معرفة، فإنّ الهدف منها تعمّد تغليط الغير. نعم، قد تقع عن قصد صحيح لمصلحة محمودة، مثل اختباره وامتحان معرفته، فتسمّى امتحاناً أو مدافعةً ; أو تعجيزه إذا كان مبطلاً مصرّاً على باطله، فتسمّى عناداً. ومع ذلك، فالرجل المغالط يجب أن يراعي شرائط المغالطة حتّى تترتب عليه النتيجة المرجوة.
إلى هنا تمّ بيان شروط المعرفة، بياناً خاطفاً وعلى وجه الإجمال.
موانع المعرفة
موانع المعرفة على قسمين:
ـ موانع خارجية لا صلة لها بمتون الأقْيِسَة والاستدلالات.
ـ وموانع داخلية مرتبطة بها.
١. الموانع الخارجية للمعرفة
الموانع الخارجية، وقد نسميها موانع روحية، تتلخص بالتحلّي بالفضائل، والاجتناب عن الرذائل الخلقية الّتي تكون حائلاً بين الإنسان ورؤية الواقع. فإنّ الإنسان العاشق للحقيقة، المتحري لها، يتعرف عليها بسهولة، إذ ليس بينه