نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٨ - الوحي
به السبيل »[١].
٢. ويقول ـ عليه السَّلام ـ في حجج الله تعالى في أرضه: «هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا رَوْح اليقين»[٢] .
٣. ويقول ـ عليه السَّلام ـ : «ومابرح لله عزت آلاؤه، في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات، عبادٌ ناجاهم الله في فكرهم، وكلَّمهم في ذات عقولهم»[٣] .
هذه الآيات والروايات توقفنا على أنّ المعرفة الحقيقية الّتي تحيا بها نفس الإنسان، لا تُستوفى بالسَّبر الفكري، وإنّما بتهذيب النفس، وتطهيرالقلب، والانقطاع عن كل شيء، حتّى يرفع دونها كل حجاب مضروب، وكل ستار مسدول، فيرى عالم الغيب ويعاين معارفه وحقائقه بعين القلب.
وإكمال هذا البحث يتوقف على شرح الأسفار الّتي يسلكها العارف في سيره الروحي والمعنوي، ولكنه بحث واسع، لا يسعه المقام.
هذا، ولا يحق للباحث الكريم أن يستنتج ممّا تقدّم أنّ دعوى آليّة القلب والمكاشفة والشهود والإلهام، في كسب المعرفة الحقّة، إحباط لمقام الحسّ والعقل، وإنكار لفضلهما ولزوم إعمالهما. لا، ليس الأمر كذلك البتّة، بل إنّ لكلّ أداة مقامها، ومجال عملها، وسيأتي مدى قيمة هذه الأداة.
الوحي
ثم إنّ هناك أداةً أُخرى تقرُب من الإلهام والإشراق، وهي المسمّاة بالوحي في مصطلح الشرع، وهو الّذي يخصّ به الخالق تعالى أنبياءه.
والوحي إدراك خاص متميّز عن سائر الإدراكات، وليس نتاج الحسّ ولا
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٢١٥ .
[٢] نهج البلاغة، الكلم القصار، الرقم ١٤٧. من كلام له ـ عليه السَّلام ـ لكميل بن زياد النَّخعي.
[٣] نهج البلاغة، الخطبة ١١٧ .