نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٨٦ - التطور النهائي في باب المعرفة
٥. الفلاسفة الإسلاميون
قد تعرفت على بعض الشخصيات من أنصار منهج اليقين، وكانت آراؤهم هي السائدة حتّى بزغ فجر الإسلام وظهرت طلائع الحضارة الإسلامية، وعمّ نور الإسلام مشارق الأرض ومغاربها، فنشطت المعارف والأبحاث الفلسفية بنقل ما وقف عليه المفكرون المسلمون من كتب فلسفية وطبيعية، إلى اللغة العربية. ولم يكتفوا بمجرّد النقل والترجمة، بل تحمّلوا عبئاً كبيراً في تكميل وتهذيب ما وصل إليهم من تراث اليونان، وكانت نتيجة هذه الجهود أن حدثت حضارة من أرقى الحضارات الّتي عرفها التاريخ، وبلغت الأُمّة الإسلامية في مدّة وجيزة شأواً عظيماً في مجالات العلوم والفلسفة، حتّى غَدَتْ العواصم الإسلامية معاهدَ للعلوم ومراكز للفلسفة، يقصدها الشرقي والغربي، ويطوف عليها رواد الفضيلة.
وسلك جُلُّ الفلاسفة المسلمين منهج اليقين بين مشائيّ يعتمد على البرهان والحسّ معاً، وإشراقيّ يعتمد على تهذيب النفس وإعدادها لتلقي الحقائق من عالم الغيب. والكلّ من أنصار اليقين وإنْ كانت دروبهم إلى المعرفة اليقينية مختلفة. وقد كانت الغلبة للمشائيين، فروّجوا العقل والحسّ وأعطوا كل واحد منهما حقّه.
التطور النهائي في باب المعرفة
ظهر هذا التطور في العصور الإسلامية الأخيرة، أي بعد القرن العاشر الإسلامي، فأدهش العقول، وحيّر أصحاب الفكر، أحدثه رجل العلم والفضيلة، سيد نوابغ العالم وأُسوة الحكماء والمتكلمين، محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بصدر الدين، وصدر المتألهين [١]. فقد أسس أساساً حديثاً، ورسم قواعد لم يسبق إليها أحد، وأتى بأفكار أبكار لم يقف على مغزاها إلاّ ثلّة قليلة من بغاة العلم والفلسفة، فهو المبتكر الوحيد في إبداع أُصول لم تُعهد،
[١] ولد عام ٩٧٩ هـ ، وتوفي عام ١٠٥٠ هـ .