نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٨١ - هل المعرفة مجرّدة أو ماديّة؟
الفصل التاسع
هل المعرفة مجرّدة أو ماديّة؟
أثبتت التجارب والمشاهدات العلمية أنّ المادة الخارجية تؤثّر في الأعصاب عن طريق الحواس، وأنّ الإنسان إذا استعمل إحدى حواسه، بأن أطل بنظره على الموجودات، أو لمس بيده شيئاً، اواستمع إلى مقال قائل، وهكذا...، يحدث بنتيجة ذلك أثر ماديّ في الأعصاب والخلايا الدماغية. وهذا الأثر المادي يدور وجوده وعدمه مدار إعمال الحواس وعدمه، فإذا توقف الحسّ عن العمل إنعدم الأثر، وإذا انطلق تجلّى الأثر في الدماغ ومحالّ الإدراك.
ولكن هل حقيقة العلم والإدراك هو ذاك الأثر المادي البارز في الأدمغة عند حصول الإدراك ; أو أن العلم والإدراك شيء وراء ذلك، ولا تكون تلك الطوارئ المادية سوى معدات لحصول الإدراك والعلم؟
هذا هو السؤال الّذي نجيب عنه في هذا الفصل، وفي هذا المجال إتجاهان متغايران:
فالماديون ـ بما أنّهم يرون الوجود مساوياً للمادة ـ يقولون بأنّ العلم هو نفس الآثار المادية الظاهرة في المراكز الإدراكية عند الإدراك.
وأمّا الإلهيون ـ الذين أقاموا براهين دامغة على أنّ الوجود أعمّ من المادة، وأنّه ينقسم إلى مجرّد ومادي ـ يقولون: إنّ العلم شيء وراء ذلك الأثر، وإنّ له وجوداً خاصاً غير مادي. وإليك فيما يلي البراهين الّتي أقاموها على تجرّد