نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٧٣ - التجربة والحضارة الإسلامية
يواجه في المرة الثانية بمثل ما وُجه به في المرة الأُولى، فكأنّ الطبيعة عنده متحدة الحقيقة والاقتضاء .
نعم، ثبوت هذا الأصل على الوجه العلمي، يتوقف على تجارب كثيرة غير متناهية، في مختلف أصناف الطبيعة وأنواعها، حتّى يحصل له العلم بهذا الأصل، وهوما أسماه بـ «الاستقراء العلمي»، ويتمكن بالتالي من تدوين العلوم والقوانين والسنن، في ضوء هذا الأصل. فالقول بأنّ الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء، عبارة إجمالية عن هذه التجارب غير المتناهية.[١]
يلاحظ عليه: إنّ التجارب المتضافرة الكثيرة ا لتي أسماها بـ «الاستقراء العلمي»، هي أيضاً غير مفيدة للعلم بهذا الأصل (الطبيعة متحدة الحقيقة والاقتضاء). لأنّ استقراءه، وإن كان كثيراً منسَّقاً، ولكنه بعدُ محدود، فمن أين علم بسريان النتيجة إلى ما تبقى من الموارد غير المتناهية، الّتي لا يفي عمر الإنسان لإجراء التجربة فيها، والمفروض أنّ هذا الأصل غير ثابت بعد، ونحن في طريق إثباته.
وبذلك تصير نتائج التجارب العلمية، ظنوناً متراكمة، مشوبة بالشك، وبذلك ينسلخ عن العلوم وصف الجزم والقطعية. وقد اعترف «ميل» بذلك إذ يقول: العلوم التجريبية لا توجب اليقين المطلق، وليس عندنا اطمئنان مطلق بأنّ غداً سيأتي نهار بعد هذه الليلة. ولكن هذا الشك شك نظري فقط، وإن كانت لتلك العلوم قاطعية عملية .[٢]
والحق في إضفاء القطعية والكلية على نتائج التجارب، هو ما ذكرنا.
التجربة والحضارة الإسلامية
التجربة من أسمى أدوات المعرفة في العلوم الطبيعية، وفي ظلّها يصل
[١] لاحظ الفلسفة العلمية، لـ «فيليسين شاله» Felicien Challaye، ص ١١١ ـ ١١٢ بتصرّف وتوضيح منّا .
[٢] المصدر السابق نفسه .