نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٠ - ٤ البراهين العقلية
إنّ الاستدلال بهذه الرؤيا، على وجود عالم الغيب، وإمكان التعرّف عليه، بالطريق التالي:
إنّ هذه الرؤيا تكشف عن أحداث قطعية وقعت قبلها، لم يكن الإنسان واعياً لها ولا مطّلعاً عليها ; أو بعد الرؤيا، كما هوالحال في رؤيا النبي يوسف، حيث يدلّ ذلك على أنّ للأحداث وجودات مثالية خارجة عن إطار المادة، تتعرّف عليها النفس في ظروف خاصة، حتّى قبل أن تتحقق. فالنبي يوسف رأى سجود والديه وإخوته له، قبل مدّة طويلة من تحققه، وقد ظهرت له هذه الحقيقة بصورة سجود الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً، له .
وقد أفرط الغربيون في البحث عن هذا القسم من الرؤى، واستنتجوا منها وجود عالم خارج عن إطار المادة، فيه صور الأشياء .
وقد جاء في القرآن ذكر عدّة رؤى صادقة رآها الأنبياء وغيرهم وتحققت بعد زمن من رؤيتها، وهي (عدا رؤيا يوسف الّتي قد عرفت):
ـ رؤيا أحد زميلي يوسف في السجن [١] .
ـ رؤيا زميله الآخر .[٢]
ـ رؤيا ملك مصر في عهد يوسف [٣] .
ـ رؤيا النبي محمد ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ دخول مكّة [٤].
ـ رؤياه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ نزو بني أُميّة على منبره [٥]. [٦]
٤. البراهين العقلية
[١] قوله تعالى: (قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً) يوسف: ٣٦ .
[٢] قوله تعالى: (وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ) يوسف: ٣٦ .
[٣] قوله تعالى: (وقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَرَات سِمَان يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَت خُضْر وَأُخَرَ يَابِسَات) يوسف: ٤٣ .
[٤] قوله تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ) الفتح: ٢٧.
[٥] قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ) الإسراء: ٦٠. لاحظ في نزولها مجمع البيان: ٣ / ٤٢٤ .
[٦] إن للفخر الرازي كلاماً في ذكر سبب الرؤيا الصادقة، يقول: أمّا الرؤيا الصادقة، فالكلام في ذكر سببها مبني على ذكر مقدّمتين:
إحداهما أنّ جميع الأُمور الكائنة في العالم ممّا كان وممّا سيكون وممّا هو كائن، موجود في علم الباري، والملائكة العقلية، والنفوس السماوية.
وثانيتهما أنّ النفوس الناطقة من شأنها أن تتصل بتلك المبادئ وتنتقش فيها الصور المنتقشة في تلك المبادئ، وإنّ عدم حصول تلك الصور ليس للبخل من جهة تلك المبادئ، أو لعدم كون النفس قابلة لتلك الصور، بل لأجل أن انغماس النفس في البدن، صار مانعاً من ذلك الاتّصال التام.
إنّ النفس إذا حصل لها أدنى فراغ من تدبير البدن، اتّصلت بطباعها بالمبادئ، فينطبع فيها من الصور الحاصلة عند تلك المبادئ ما هوأليق بتلك الأنفس وأولى الأمور بها، ما يتصل بذلك الإنسان أو بأصحابه وأهل بلده وإقليمه. فإن كان الإنسان منجذب الهمّة إلى المعقولات، لاحت له أشياء، وما كانت همته في مصالح الناس رآها.
ثم أخذ بالكلام في التصرفات الّتي تطرأ على المنامات من جانب القوة المتخيلة.
لاحظ: المباحث المشرقية: ٢ / ٤٢١ .