نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢ - الجهة السابعة ـ التعريف غير مانع
وأمّا الثاني، أعني كونه غير مانع، فلأنّ صورة الشيء موجودة أيضاً في الأحوال الثلاثة: الظن والشك والوهم، بل في الجهل المركب أيضاً .
وذلك لأنّ الظن بمضمون خبر ما عبارة عن ترجيح مضمونه على ما يخالفه مع تجويز الطرف الآخر، كالتساوي في المثال المذكور مع تجويز عدم التساوي.
والوهم هو حكم الطرف المرجوح.
والشكَّ بالمضمون عبارة عن تساوي الطرفين في النفس .
ففي هذه الأقسام الثلاثة، صورة الشيء موجودة في النفس وإن لم يكن هناك حكم قطعي، فيلزم أن يكون الوهم والشك من أقسام العلم، مع أنّها من أضداده.
بل يمكن أن يقال: إنّ صورة الشيء موجودة في الذهن في حالة الجهل المركب، وهو أن يجهل شيئاً ولا يلتفت إلى أنّه جاهل به، بل يعتقد بأنّه عالم به. كما إذا اعتقد بأنّ في الدار شخصاً، وكان الواقع على خلافه. فلا شك أنّه تصوّر الدار والشخص والنسبة بينهما، غاية الأمر أنّ حكمه كان على خلاف الواقع. فحصلت إذن صورة من الشيء عند العقل.
وقد أشار إلى هذا الإشكال القاضي الإيجي (٧٠٠ ـ ٧٥٦ هـ)، في المواقف، وقال شارحه السيد الشريف الجرجاني (٨١٦ هـ): «هذا التعريف يتناول الظن، والجهل المركب، والتقليد، بل الشك والوهم. وتسميتها علماً يخالف استعمال اللغة والعرف والشرع».[١]
ثم إنّ الشيخ الحجّة المظفر قد جعل الظن من أقسام التصديق قائلاً بأنّه من أدنى قسميه [٢]، وهو كماترى، إذ ليس في الظن حكم، لأنّ التصديق فعل النفس، وهو دائر بين الوجود والعدم، فلو كان هناك حكم، يكون حكماً باتاً وجازماً، وإلاّ فلا. وأمّا الحكم الظني فمعناه أنّه يحكم تسعين بالمائة، لا مائة بالمائة، وهذا يساوق عدم الحكم.
[١] شرح المواقف: ١ / ٧٦ .
[٢] المنطق: ١٨ .