نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤٠ - النظرية الثانية تأثير الحكمة النظرية في العملية بنحو المقتضي
البراهين العقلية الدالّة على أنّ كل ما في الوجود منته إليه تعالى، وهو المعطي والمفيض له .
ومن المعلوم أنّ الصغرى لا تحمل حكماً، لا إيجابياً ولا سلبياً، ولا تفرض على الإنسان شيئاً، وإنّما هي نظرة فلسفية إلى الكون والوجود تكشف عن بعض حقائق هذا العالم الإمكاني، وهو انتهاؤه إليه سبحانه.
وأمّا الكبرى، فإّنها هي الّتي تحمل الحكم بصورته الكلية. ففيها الحكم البات بأنّ شكر المنعم ـ كائناً من كان ـ واجب، وهذا حكمة عملية، إمّا واضحة بالذات، أو منتهية إلى ما هو كذلك.
وفي ظلّ هاتين القضيتين، يصل الإنسان إلى تبنّي حكم مفروض عليه، جزئيٍّ بالنسبة إلى الحكم الموجود في الكبرى، وهو أنّه سبحانه يجب شكره.
فظهر من ذك أنّا إذا نفينا كلَّ دور للحكمة النظرية والمفاهيم الفلسفية الكلية، في استنتاج الآيديولوجيات، فقد أَجحفنا في الحكم، لما قلنا من أنّ النتيجة وليدة الصغرى والكبرى معاً، ولا تكفي واحدة منهما.
وإذا قلنا بأنّ الحكمة النظرية الّتي أدركناها، علة تامة للنتائج العملية، الأخلاقية والإجتماعية، فقد أجحفنا ـ أيضاً ـ في الحكم، لما عرفت من أنّ المفاهيم المُدْرَكة من الكون، لا تلزم الإنسان بشيء، ولا تدفعه إلى فعل من الأفعال.
وأمّا لو قلنا بأنّ لكل من الحكمتين تأثيراً في تبنّي النتيجة، فالقضية الأُولى تعيّن الموضوع وتشرحه من المنظار الفلسفي، والقضية الثانية تعرب عن حكم كلّي وسيع شامل لموضوع النتيجة وغيره. وفي ظل هاتين القضيتين يصل الإنسان إلى حكم خاص، وهو آيديولوجية إلهية يتبناها الموحِّدون.
ومن هنا يتبين أنّ ما من حكم عملي كسبي يفرضه العقل على الإنسان، إلاّ وفوقه حكم عقلي عملي كلّي، يمهّد لاستنتاج ذاك الحكم الجزئي، بحيث لولا الكلّي، لصار القياس عقيماً.
هذا هو الحق الّذي يجب أن نتخذه مقياساً لسائر الموارد، ولأجل زيادة