نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٥٨ - قيمته العلميّة
فرض أنّه لم يرد نصٌّ في وجه حرمتها، إلاّ أن السبر والتقسيم قد يوقفان الفقيه على أنّ مدار الحرمة هو الإسكار وزوال العقل، ولكن لا بحث مع اليقين.
إلاّ أنّ تحصيل هذه المرتبة من اليقين في المسائل الشرعية مشكلٌ جداً، إلاّ ما شذّ وندر، وقلّ مِنْ مورد يكون وضوح العلّة فيه مثل وضوحها في الخمر. بل الوقوف على مصالح الأحكام على نحو تكون علة تامة للحكم، لا يعلم إلاّ من طريق المشرِّع نفسه. ولأجل ذلك حذّر أئمة أهل البيتـ عليهم السَّلام ـ من الاعتماد على القياس في الشريعة وقالوا: «إنّ السُّنَّة إذا قيست، مُحق الدين»[١]. هذا كلّه حول مستنبَط العلّة.
وأمّا منصوصها، فلا خلاف بين الفقهاء في العمل به. وفي الحقيقة إنّ التمثيل المعلوم فيه أنّ الجامع علّة تامة عند المقنِّن، يكون من باب القياس البرهاني، ويخرج من باب القياس الفقهي.
مثلاً: لو ورد: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء... لأنّ له مادة»[٢]، فإنّه يستنبط منه أنّ كل ما له مادّة فهو لا يفسده شيء. وفي الحقيقة يتشكل منه صورة البرهان، ويكون الفرع أصغر، والحكم أكبر، والجامع حدّاً أوسط، يقال :
الماء النابع، له مادَّة.
وكلُّ ما له مادّة، واسع لا يفسده شيء.
فينتج: الماء النابع، واسع لا يفسده شيء.
***
وفي الختام، ننبه إلى أنّ التمثيل ـ في الحقيقة ـ هو مزاج من عمل الحسّ والعقل، فلا يصحّ بأن يوصف بأنّه أداة حسيّة بحتة، ولا أنّه من فروع العقل،
[١] الوسائل: ١٨ ، كتاب القضاء، الباب ٦ من أبواب صفات القاضي، الحديث ١٠. ولاحظ أحاديث الباب.
[٢] الوسائل: ١، أبواب الماء المطلق، الباب ١٤، الحديث ٦ و ٧. صحيحة إسماعيل بن بزيع عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ .