نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٢١ - ١ الموانع الخارجية للمعرفة
والمكانة العلمية المرموقة، تأثيراً في انبهار العيون وانجذاب النفوس إليها، قهراً بلا اختيار. ومن الناس من يجعل المنزلة مقياساً للحق والباطل، فإذا سمع كلاماً من شخصية بارزة يتلقّاه حقّاً بحجة أنّ قائله ذو مكانة اجتماعية أو مرتبة عالية. كما أنّه إذا تلقى كلاماً أو رأياً من فاقد تلك المنزلة، لا يعطيه بالاً أو يجعله في خانة الشك والترديد، وهذا من موانع نيل الواقع ومعرفة الحق والباطل.
فالواجب على كل متحرٍّ للحقيقة اجتناب هذه العادة الجارية بين السذج من الناس، فإنّ الشخصيات الاجتماعية والعلمية، مهما بلغت في درجات السلطة والوقار أو العلم والكمال، ليست بمعصومة، وإنّما العصمة تختص بالأنبياء وأوصيائهم [١]، وأمّا غيرهم فيجوز عليهم الخطأ والاشتباه. فعليه أن ينظر إليهم بعين الاحترام والتوقير، لا متابعتهم في المسائل العقلية والعلمية بلا دليل وبرهان، فإنّ التبعية في هذه المجالات، تُعْقِم العقول عن الإبداع، وتُحَجِّر الطاقات الباطنية عن التفتح والازدهار. وإنّما ينظر إلى نفس الكلام، بغض النظر عمّن صدر منه.
وفي التعاليم الإسلامية إيعاز إلى ذلك، نذكر منه:
ـ ما روي عن الإمام عليّ بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال: «أُنظر إلى ما قال، ولا تنظر إلى من قال».
وما روي عنه ـ عليه السَّلام ـ عندما سئل عن محاربته طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين، وهم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : أيمكن أن يجتمعوا على باطل؟ فقال: «إنّك لملبوس عليك، إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف أهله»[٢] .
وقد كان لانبهار عيون الشرقيين بإنجازات الغرب الصناعية، تأثيرٌ كبيرٌ
[١] لأدلة تأتي في بحث النبوة العامة.
[٢] «علي وبنوه»، للدكتور طه حسين، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفاته، المجلد الرابع: ٤٦٨، ط دار الكتاب اللبناني، ١٩٣٩ م بيروت.
ويعلّق طه حسين على هذا الحديث بعد نقله بقوله: «وما أعرف جواباً أروع من هذا الكتاب...».