نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣١٩ - ١ الموانع الخارجية للمعرفة
وبينها حجاب. ولنذكر بعضاً من أبرز تلك الخصال الصادّة عن معرفة الحقائق ودركها، وكثير من الخصال الأُخرى تندرج تحتها.
أ ـ الكِبْر: وهي حالة أو مَلَكَة في الإنسان تضفي على صاحبها روح الأنانية والغَطْرَسة، والشعور بالاستعلاء والتفوّق على الغير: فالحقُّ ما يراه هو حقّاً، والباطل ما يراه هو باطلاً.
فإذا نظر الإنسان المتكبّر إلى الأقيسة والأدلة، خصوصاً إذا وجدها في كلام من ينافسه أو يعانده أو يراه أنزل درجة منه، لا تخضع نفسه لمضامينها ونتائجها، ويتسرّع في ردّها ونقدها ولو على وجه فاشل.
يقول الإمام الباقر ـ عليه السَّلام ـ : «ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قلّ ذلك أو كثر»[١].
ب ـ العصبية، واتّباع الأَهواء القَبَلية والقومية والعرقية وما شاكل، فإنّها من أعظم سدود المعرفة وموانعها، وهي الّتي منعت الأُمم عبر التاريخ من الخضوع لبراهين أنبياء الله ورسله، الواضحة القاطعة، كما يقول سبحانه: (وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)[٢].
ج ـ اتّخاذ المواقف والآراء المسبقة بلا دليل وبرهان: فإنّ من بنى لنفسه رأياً مسبقاً ـ أيّاً كان مصدره ـ مهما سيقت أمامه البراهين والحجج، لن يراها مقنعة، إلاّ إذا كان رجلاً موضوعياً منصفاً، يحترم الحقَّ أزيد من نفسه وآرائه وعقيدته.
د ـ الغرور العلمي: وهو داء يصيب المجتمعات فيلقي حجاباً على قلوب أبنائها ويصدّهم عن رؤية الواقع والحقيقة، وقد تفشّى هذا الداء في الغرب في أعقاب نهضته الصناعية وألقى بهم في مهاوي الإلحاد. ونحن نكتفي بنموذج واحد من هذا الغرور العلمي والعاقبة الوخيمة الّتي انجرّ إليها: «وما عشت أراك الدهر عجباً».
[١] سفنية البحار: ٢ / ٤٦٠، مادة كبر .
[٢] الزخرف: ٢٣ .