نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٩٩ - ٤ «كلُّ ظاهرة تحتاج إلى علة موجِدة»، معرفةٌ سابقة
مرتين، تارة بالضمير المنفصل «أنا»، وأُخرى بالضمير المستتر في «أفكر». فلو لم يكن وجوده مسلماً لديه ـ من حيث لا يشعر ـ لما صحّ منه هذا التعبير. فهو يعترف بوجوده، ثم يعود ليستدلّ على وجوده!! وما أشبه هذا بمن يطلب شيئاً يملكه.
٣. الاستدلال بصورة الشكل الأول
صبّ «ديكارت» استدلاله على ما زعم أنّه الحجر الأساس للمعرفة اليقينية، في قالب الشكل الأول من الأشكال المنطقية الأربعة، الّذي هو أكثر الأشكال استعمالاً في إقامة البراهين. وذلك أنّ قوله: «أنا أُفكر»، صغرى ; وهناك كبرى مطوية هي: «وكل من يفكر فهو موجود» ; فخرج بالنتيجة: «فأنا موجود».
وصحّة هذا الاستدلال مبنية على إذعانه بصحة الشكل الأول وصدق نتيجته، فقد كان هذا معرفة أولية مخزونة في ذهنه، فاستمد منها ليستنتج أنّه موجود.
وقد نقل عن ديكارت أنّه حاول الإجابة عن ذلك بأنّه لم ينتقل إلى هذا الاستدلال من تنظيم قضية بعد أُخرى، والكبرى بعد الصغرى، «وإنّما جرّني إلى ذلك المتصورات الساذجة والبسيطة الّتي كنت أحسّها بالوجدان، وكانت عندي من البديهيات».
ولكنه أشبه بالفرار من المطر إلى تحت الميزاب، لأنّه إذا لم ينتقل إلى ما زعمه نقطة أُولى من المعرفة، إلاّ عن طريق المتصورات والبديهيات الأولية فقد اعترف أنّه كانت لديه معلومات بديهية أو وجدانيات كان يجدها في صميم ذاته.
٤. «كلُّ ظاهرة تحتاج إلى علة موجِدة»، معرفةٌ سابقة
عرفت أنّ «ديكارت»، بعدما أذعن بوجود نفسه عن طريق تفكّره، أخذ في الاستدلال على وجود الإله ـ الّذي جعل الاعتراف به معرفةً ثانوية ـ بأنّه لا بدّ لفكرة الإله الّتي يجدها في ذهنه، من مصدر وعلّة.