نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤ - الجهة الثانية ـ التعريف لا يشمل المعقولات الثانوية المنطقية
وأمّا الثانية فهي عبارة عمّا يقف عليه الإنسان نتيجة عمليات ذهنية وجهود فكرية، من دون أن يكون لصلته بالخارج تأثير مباشر في ما وقف عليه. ولهذا أمثلة كثيرة، نذكر منها:
أ ـ المفاهيم الكلية. إنّ من المفاهيم ما له قابلية الانطباق على مصاديق كثيرة، كمفهوم الإنسان، والحيوان. فإنّ من المعلوم أنّ مفهوم الإنسان، بوصف أنّه كلّي، غير مأخوذ من الخارج، ولاوارد إلى محيط الذهن منه. فإنّ الإنسان الخارجي، أعني مصاديقه وأفراده، كلّها جزئيات متعينة لا تصدق إلاّ على نفسها، ولاتنطبق على غيرها. بخلاف مفهوم الإنسان المجرّد عن كل خصوصيّة، فإنّه مفهوم عام، ينطبق على جميع الأفراد.
وعلى ذلك، فالتعرف على المفهوم الكلي، معرفةٌ إنسانية غير حاصلة في النفس من الخارج، مع أنّها من أقسام العلوم.
ب ـ مفهوم النوع والجنس. النوع عبارة عن المفهوم الصادق على أفراد متفقة الحقيقة، كما أنّ الجنس عبارة عن مفهوم صادق على أفراد مختلفة الحقيقة. ومن المعلوم أنّ مفهومي النوع والجنس بهذا المعنى، من مخترعات الذهن، وليسا وليدَيْ اتّصاله بالخارج، إذ ليس في الخارج شيء نسمّيه نوعاً أو نسميه جنساً.
فهذه المفاهيم، كموصوفاتها، كلُّها علوم تحصل للإنسان بجهود ذهنية جبّارة، وعمليات فكرية عميقة، فيقال: الإنسان نوع، والحيوان جنس.
ج ـ المعرِّف والحجة. همامن المصطلحات الفلسفية، والغاية منهما رفع الإبهام عن المفاهيم التصورية والتصديقيّة. فالحيوان الناطق بالنسبة إلى الإنسان معرِّف، كما أنّ الصغرى والكبرى بالنسبة إلى النتيجة حجّة. وبما أنّ المطلوب منهما هو التعرّف على التصورات والقضايا الكليّة، فالمعرِّف يجب أن يكون ـ مثل الحجة ـ قضية كليّة. ومثل هذا لا يوجد إلاّ في محيط الذهن دون الخارج، لأنّ الخارج مقرّ الجزئيات، ومصدر المتشخصات. فالتعبير المزبور لا يشمل المعرِّف والحجّة.
د ـ المسائل الرياضية والهندسية. إنّ المسائل الرياضية والهندسية مسائل