نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٩٢ - الدليل السابع ـ التصديق لا يتلاءم مع مادية الإدراك
فالذهن أشبه ما يكون بآلة التسجيل، فإنّ الأمواج الصوتية لا تُسَجّل على الشريط بعينها وخصوصياتها، وإنّما تتبدّل إلى امواج مغناطيسية تنتقش في الشريط، على وجه لو أدير هذا الشريط مرة ثانية في جهاز التسجيل، تتبدل تلك الأمواج إلى أصوات تشابه السابقة.
وهذه الفرضية أيضاً مردودة، وذلك لأنّ الأثر الباقي في الأعصاب الإدراكية بعد تعطيل الحواس والإدراك، ليس نفس الصور العلمية والخواطر، وإنّما هو أثر ماديٌّ للإدراك السابق، فعندما تتأثر تلك النقطة بعوامل خارجية أو داخلية، تتمثل لنا الصور العلمية والخواطر الّتي مضت علينا. فحينئذ نسأل: هل هذه الصور العلمية والخواطر والسوانح عين ما أدركناه سابقاً أو لا؟. والأوّل لا يجتمع مع كون الإدراك مادياً. وعلى الثاني، لابدّ للمادي من الالتزام بأنّها علوم وصور جديدة، ومفاهيم حديثة تشابه سوابقها. وهو خلاف ما يجده الإنسان في قرارة ذهنه، فإنّ كل واحد منّا إذا رجع إلى وجدانه، يجد عين ما أدركه سابقاً، متمثلاً ومتجسماً، لا مشابهه ومماثله.
وأمّا قياسهم الذهن بالمسجلة، فقياس مع الفارق، فإنّ ما يسمعه الإنسان من المسجلة، إنّما هو كلام حديث يشابه الكلام السابق، مع أنّ القضية في التذكّر غير ذلك.
الدليل السابع ـ التصديق لا يتلاءم مع مادية الإدراك
لو كان الإدراك ماديّاً ـ وقد عرفت أنّ السيلان والتغيّر واللابقاء من خصائص المادة ـ لامتنع التصديق بقضية من القضايا. إذ التصديق هو الإذعان بأنّ هذا ذاك، وأنّ الموضوع متصف بمحموله. والإذعان بهذا الأمر، يتوقف على تصور مفرداته حتّى يتعلق الإذعان بالنسبة، وهذا يتوقف على كون ما ندركه من المفردات والنسب أُموراً مجرّدة ثابتة، حتّى يتمكن العقل من الحكم.
وأمّا إذا قلنا بماديّة الإدراك، وأنّ الأجزاء الدماغية وما يطرأ عليها من الصور تتبدّل فوراً ففوراً إلى المماثلات، فيمتنع التصديق. لأنّه ـ على الفرض ـ إذا تصور الإنسان موضوعاً أولاً، ثم عاد إلى تصور المحمول، ليحكم في الآن