نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٤٥ - الجواب
مثال: إنّا نقول: العالم متغيّر، وكل متغيّر حادث، فالعالم حادث. هذا البرهان مركب من صغرى وكبرى، وكل منهما مبرهن بالدليل العقلي، بالبيان التالي:
أمّا الصغرى، فقد كشفت نظرية الحركة الجوهرية [١] عن أنّ ذات المادة بصميمها وجوهرها في حالة السيلان والتدرج والحدوث والزوال، وأنّ الحركة ليست مختصة بظواهرها وسطوحها (أعراضها)، بل تعمّ صلبها وجوهرها كذلك. فالكون بجميع ذرّاته في تحول وتغيّر مستمرين، وما يُتراءى للناظر من الثبات والاستقرار ليس إلاّ من خطأ الحواس وخداعها، ولكن الحقيقة أنّ كلّ ذرّة من ذرّات المادة، خاضعة للتغيّر الجوهري.
وأمّا الكبرى، أعني كون «كلِّ متغيّر حادث»، فإنّ المراد من المتغير في موضوعها، ليس هو المتغير في الصفات والأعراض فحسب، بل المتغير في الصميم واللبّ أيضاً، فيكون المتغيّر بهذا المعنى مسبوقاً بالعدم، بمعنى أنّ كل مرتبة متقدمة، تحتضن عدماً للوجود المتأخر، وليس الحدوث إلاّ الوجود بعد العدم.
فالعالم مُتغيِّرٌ في الذات والصفات، حسب تلك النظرية التي أثبتتها البراهين.
وكلُّ متغيّر في الذات والصفات، بما أنّه لم يكن ثم كان، حادثٌ، إذ ليس الحدوث إلاّ الوجود بعد العدم.
فينتج: أنّ العالم حادث.
فها إنّك ترى أنّ العلم بكل واحدة من الصغرى والكبرى لم يتوقف على شيء.
نعم، الفرق بين الأحكام العقلية المعتمدة على البراهين العقلية، والأحكام الكليّة المعتمدة على التجربة، هو أنّ البراهين العقلية لا تعتمد على الحسّ في
[١] لاحظ الأسفار: ٧ / ٢٨٠ و ٢٩٢ و ٢٩٣ و ٢٩٧ .