نظرية المعرفة (المدخل إلى العلم والفلسفة والالهيات) - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٢ - الدافع الثالث ـ تأثير البرجماتية
أولاً: لا شكّ أنّ ما ينفع في الحياة ويعطي الراحة والرفاهية، وينشر السلام ويبسط الأمن والاستقرار، أمر مطلوب جداً. غير أنّ الكلام في أنّ الإنسان هل يتمحض في الشؤون المادية، من أمنه وسلامه، وشَبَعه وارتوائه، ورَوْحه وريحانه، بحيث إنّ كل ما لا يمت إلى ذلك بصلة فهو مرفوض، ويجب أن يشطب عليه بقلم عريض، ويرمى بأنّه معدوم أو غير قابل للمعرفة؟ أو أنّ للإنسان شؤوناً أوسع من تلك، وتتطلع نفسه إلى ما هو أبعد، وإن لم يقع في طريق حياته، أو يؤمن رفاهه ورغد عيشه ؟
إنّ تمحيض الإنسان وتلخيصه في المرحلة الأُولى، نظرة إلى عالم الوجود بمنظار ضيق. وإن التقوّل بأنّ كل ما لا يقع في خدمة «أنا»، فهو ليس بموجود أو لا يعرف، فكرة خاطئة ناشئة من أنانية ماديّة، وتنزيل للإنسان من مقام إنسانيته الشامخ، إلى درجة البهيمة الّتي لا يهمها إلاّ ماؤها وعلفها.[١]
وثانياً ـ إنّ تخصيص المعرفة بما يقع في طريق العمل وخدمة الإنسان، كبح لجماح البعد العلمي الّذي اختمرت به النفس الإنسانية. وقد كشف علماء النفس أنّ للوجود الإنساني أبعاداً روحية مثلى، هي:
ـ روح الاستطلاع واستكشاف الحقائق.
ـ حب الخير والنزوع إلى البِرّ والمعروف.
ـ عشق الفن والجمال.
ـ الشعور الديني.
فإنّ البعدين الأول والثالث، يدفعاننا إلى التعرّف على كلّ ما تناله قدرة العقل البشري، سواء أكان راجعاً إلى الإنسان (أنا) أم لا. كما أنّ الشعور الديني يدفعنا إلى التعرف على ما يتصل بهذا الشعور. فتخصيص المعرفة بما ينفع في حياتنا المادية، طمسٌ لهذه الأبعاد الفطرية المسلّمة عند علماء النفس .
[١] قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «فما خُلِقْتُ لِيَشْغَلَني أَكْلُ الطيّبات، كالبهيمة المربوطة، هَمُّهْا علفها، أو المُرْسَلَةِ شُغْلُها تَقَمُّمُها، تَكْتَرِشُ من أعلافها، وتلهو عما يراد بها». (نهج البلاغة، قسم الكتب، من كتاب له ـ عليه السَّلام ـ إلى عثمان بن حُنَيْف).